أحوال عربية رأي

وطن الفقراء المقتولين

نادية خلوف

ــــــــــــ
يمكننا وضع النّقاط على الحروف أحيانا، وقد لا يمكننا سوى العويل.
ماذا يجري في سورية؟
ربما لا أحد يعرف الجواب تماماً، لكنّني أرغب أن أدلو بدلوي.
كنّا نموت بصمت في سجن كبير اسمه سورية فأصبحنا نموت بصوت وصورة.
قد تكون الحياة جميلة لمن لا يعيش حالات البؤس. لم أر في سوريّة سوى البائسين الذين يبحثون عن لقمة خبز، والأطفال الذين لا يعرفون الفرح. في سورية نظام تقوده عائلة الأسد، وتوابعها من العلويين، وتجار من بقيّة فئات الشّعب يطلبون رضاهم بالرّشوة أو الشّراكة، وهم يشاركون في الحياة السّياسيّة كوزراء وأعضاء مجلس شعب، وكتّاب، وهم من جميع فئات الشّعب السّوري.
الذين شاركوا عائلة الأسد وتوابعها العلوية سواء انشقوا عن النّظام أم لم ينشقوا ممن لا زالوا يسيرون في ركبه لا فرق بينهم، فهؤلاء المنشقون نقلوا مدرستهم فقط إلى مدرسة أخرى تعطي دروساً في التسويق.
لا علمانية في سورية. كل الذين يدّعون العلمانيّة كاذبون، فالعلمانية في النهاية دين لها كنيسة، وليست سياسة، ولكن إذا كانوا يساندون العائلة القاتلة في العلمانية هل يمكنهم إخبارنا عن قانون الأحوال الشّخصية؟
لن يفعل العالم شيئاً إن كنتم تنتظرونه، ولن يفعل السّوريون شيئاً، ربما يؤلفون مسرحيّة عن أحداث دوما يبيعونها ويتربحون.
من الذي يقتل؟
لا شكّ أنّ أغلب القتلى أبرياء حتى الذين يجبرهم النّظام على الذهاب للخدمة الإلزامية، لكن من يُقتل هم الأبرياء في المدن السّنية، والفقراء منهم. هم لا يعرفون الإرهاب إلا من خلال موتهم. القيادة الأسدية العلوية تقتل الشّعب السّوري السّني البسيط. ترغب أن يتحوّل جميعه إلى إرهابي مسلّح، ولن يطول الوقت حتى يتحوّل، وسوف تكون الخاتمة ليست معروفة فالانتقام يجري في دم من قتل الأسد أهله، وليس مطلوباً منه أن يكون المسيح.
لا قيمة لإرادة الشّعوب منذ بدء التّاريخ. القيمة هي لوعيّ الشّعوب، وبمناسبة أحداث الغوطة سوف ترتفع الأصوات المندّدة بالعالم، وسوف يتم تأليف جمعيات وتيّارات جديدة ممنوع دخولها إلا على النّخب التي كانت نخباً في زمن حكم عائلة الأسد. هؤلاء فقط يملكون المال. حتى تدخل تجمّعاً ما. عليك أن تكون معروفاً في سورية سابقاً، أو معروفاً كمعارض لديك تمويل تتلقاه وتدعم أصحابك به لتكوّنوا تيّاراً.
لا أحد في سورية عارض العلمانية، لو طبّقها النظام لقال له الجميع نعم. كان هذا سابقاً.
موضوع النسبية في سورية موضوع غير وارد، فجميع الفصائل المسلحة سواء منها من يحارب الإرهاب أو النّظام تنتمي لأب روحي واحد، ومتشابهة في القتل والنهب والسلب هي ثقافة الاستبداد.
الدّول موجودة في سورية لأنّ النّظام باع سوريّة للمحافظة على أمواله، وسلطته، والمشتري هو الرأسمالية العالمية التي تتاجر بالبشر والحجر، وهذه الرّأسمالية في حالتها الترامبية تبحث عن مصادر جديدة للرّبح، ولا نستبعد أن تفوّض دولة عربية باحتلال سورية وفرض دكتاتور جديد على الشّعب السّوري.
ماذا نقول لمن قُتل، ولمن فقد بعض أعضائه؟
بالنسبة لي لا أعرف ماذا أقول؟
فقط أطلق صرخة مدوية. ويلاه مما يجري، ومما سوف يجري! لقد أطلقتها قبل أكثر خمسة عشر عاماً حيث كنت في حصار يشبه حصار دوما، لكنّني تمكنت من الفرار.
أقول: يا لعارنا!
يا لعارنا !
يا لعارنا!