أحوال عربية رأي

عندما تخرج السعودية الرسمية من الاجماع الاسلامي

د . فادة جليد
ــــــــــــــــ

لا شك أن تصريحات ولي العهد السعودي الأخيرة محمد بن سلمان عن الكيان الصهيوني ودولة إسرائيل المصطنعة وحقها المزعوم في العيش بسلام فوق أرضها وضرورة التعامل معها في المجال الإقتصادي كدولة كبيرة في هذا المجال، تثير الغرابة والإستهجان وتطرح الكثير من التساؤلات والإستفهامات لدى الرأي العام العربي والإسلامي على حد سواء، وإن المتتبع لمسيرة الرجل منذ توليه منصبه الجديد في المملكة يدرك أنه يساهم في تسريع حركة التاريخ نحو الأسوأ، أي نحو الإفلاس الحضاري بعد إستعمال كل الأقنعة الممكنة والمتاحة والقضاء على ما تبقى من الرأسمال الرمزي الديني الذي تمثله السعودية في العالم الإسلامي .

ولكن ما يجب إدراكه على وجه التحديد، أن هذه التصريحات لا تلزم إلا شخصه فقط، ولا يمكن أن تعبر عن الوعي العربي الإسلامي وقناعاته الراسخة الذي يرى في إسرائيل قوة محتلة و إرهابية، فإسرائيل لا تؤمن بالسلام ولا ترغب فيه ولا تريده، لذلك فهي تختلق الحروب والأعداء حتى تستمر في الوجود لأن السلام يؤدي إلى زوالها و انهيارها بحكم عوامل تاريخية و اجتماعية و جيوسياسية محضة، لذلك فإننا نعتبر أن هذه التصريحات غير مسؤولة بالمرة وهي تهدف إلى مغازلة الغرب والتطبيع الفاضح مع الكيان الصهيوني الذي يعتبر محورا للشر المحض، ليس فقط في العالم العربي والإسلامي ولكن في العالم ككل باعتبار أن الأسس التي قام عليها الكيان الصهيوني وممارساته العنصرية اليومية ضد الفلسطينيين تتناقض مع القيم الإنسانية والشرائع السماوية والأرضية.

ومن خلال التحولات السياسية الجديدة في المنطقة والصراع الحضاري بدأت الأقنعة تسقط الواحدة بعد الأخرى، وبدأت الإستراتيجيات التي تستهدف العالم الإسلامي تتكشف يوما بعد يوم، فلقد استطاع الرئيس الأمريكي ترامب بدون شعور منه وبقراره الجائر الاعتراف بالقدس كعاصمة لإسرائيل أن يوحد الشعوب العربية والإسلامية على مستوى الوعي على حقيقة واحدة وهي أن أمريكا وحلفاؤها في الشرق الأوسط ينظرون إلى المسلمين من زاوية واحدة على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم وجنسياتهم، فلا فرق بين سني شيعي وما داموا ينتمون إلى دائرة حضارية واحدة هي دائرة الإسلام، إنه صراع الحضارات الذي تحدث عنه المفكر الأمريكي هنتكتون و الذي يصنف المجتمعات على أساس إنتمائها الحضاري وليس الإيديولوجي. بالفعل، لقد ظهرت للعيان وللمخدوعين خبايا ورقة اللعب على النزعة المذهبية والطائفية في العالم الإسلامي و إختلاق محور للشر تمثله إيران وحزب الله في مقابل محور الخير الذي تمثله السعودية وحلفاؤها في المنطقة وفق التخطيط الأمريكي لتمزيق العالم الإسلامي و إهدار إمكانياته وشغله عن القضايا الأساسية والمحورية في العالم وفي مقدمتها، قضية فلسطين، قضية العرب والمسلمين، بل العالم بأسره، إن هذا كله يدفعنا إلى القول أن الحرب الجائرة والعدمية التي تقودها السعودية وحلفاؤها ضد اليمن الشقيق وعملها المتواصل على تقسيم العالم الإسلامي على أساس مذهبي وطائفي والارتماء في أحضان الغرب وأمريكا وإسرائيل تحديدا، إن كل هذه العوامل مجتمعة ساهمت في يقظة الإنسان المسلم وبدأ يتبلور على مستوى الرؤية والقناعات وعي عربي و إسلامي جديد، حول من يمثل الخير ومن يمثل الشر في العالم الإسلامي ومن هو المحور الحقيقي الذي يخدم الأمة الإسلامية ويدافع عن حقوقها ومبادئها وكرامتها؟

عندما يتعلق الأمر بفلسطين المحتلة والمغتصبة من طرف اليهود الصهاينة، عندما يتعلق الأمر بفلسطين أرض المقدسات، وعلى خلاف الموقف العربي الرسمي الذي تقدم بمبادرة الأرض مقابل السلام والتي رفضتها إسرائيل وترفضها على الدوام لأن السلام يتناقض مع هويتها الإرهابية والدموية، فإنه على صعيد الوعي الإسلامي والجماهيري المتجدد باستمرار، تبقى إسرائيل كيانا مصطنعا محتلا ومصير الإحتلال معروف عبر التاريخ وهو الزوال، فزوال إسرائيل حتمية تاريخية وحقيقة وجودية، متى وكيف ؟ نترك التاريخ يجيب على هذا السؤال، فللتاريخ منطق لا تدركه حكمة الأفراد وذكاؤهم وبريقهم الذي يؤدي إلى نهايتهم.

ونقول أخيرا وليس آخرا لأمريكا وترامب وحلفاؤها في الشرق الأوسط وعملاؤها الحضاريين، إننا كسنة وشيعة ننتمي إلى أمة إسلامية واحدة، وعندما يتعلق الأمر بفلسطين فكلنا حزب الله ونصر الله وكلنا إيران وخامنائي وكلنا سوريا وبشار الأسد، وعلى حد قول الرئيس الجزائري الراحل الخالد هواري بومدين رحمه الله، كلنا مع فلسطين ظالمة أو مظلومة، والتاريخ لا يرحم أحدا، إنه يكتب ويدون ويسجل ويحفظ السجل، إذن سجل، فأنا عربي ومسلم وهذه التصريحات لا تمثلني .