رأي

بوتين يدعّم الجزائر لدحر داعمي الإرهاب

مع تصعيد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لهجته تُجاه الولايات المتحدة الأمريكية والغرب، وتهديده بالرد النووي على أي اعتداء على حلفاء روسيا، تأكد بشكل غير قابل للنقاش، أن موازين القوى الدولية قد انقلبت رأسا على عقب، وأن ما هو آت أكبر بكثير مما عايشناه خلال الحرب الباردة.
بكلّ تأكيد، إن القادم أصعب، وأقول ذلك لأن الإدارة الأمريكية الحالية، التي يرأسها الرئيس ترامب، كسّرت كلّ الطابوهات، وأعلنت عداءها لكل من يُخالف أمريكا الرّأي، بل إنها ذهبت إلى أقصى حدّ من الإستفزاز، بإعلانها القدس عاصمة أبدية للكيان الصهيوني، وبرأي المُحلّلين، أن هذه القرارات الخرقاء للولايات المتحدة الأمريكية، مردُّها الفشل الذريع في العراق وسوريا، وبالتالي فالأمريكي لا يُستبعد أن يرتكب حماقات أخرى أكثر خطورة مما عايشناه منذ بدء تنفيذ المُؤامرة الصهيوأمريكية التي لبست رداء الحرية والديمقراطية، وأُطلق عليها ظلما وعدوانا تسمية “الربيع العربي”، وبحسب المُحلّلين دائما، أن هذا الفشل الأمريكي الصهيوني، قد يأتي الرّد عليه في منطقة شمال إفريقيا، وبالأخص في الجزائر، التي نجحت بكل المقاييس في إفشال مؤامرة الربيع العربي، ولم تسمح لرياحها أن تهب في الداخل الجزائري، والدليل على ذلك، أن غالبية الأخبار المُسرّبة، تشير إلى قيام أمريكا وحُلفائها بنقل آلاف الدواعش من العراق باتجاه سوريا، وشمال إفريقيا، لمُمارسة أكبر قدر من الإبتزاز والإستفزاز، وبما أن الجزائر كانت ولا تزال حليفا استراتيجيا لروسيا وقبلها للإتحاد السوفياتي، وفي ظلّ الصراع العلني على بسط الهيمنة على العالم، فإن روسيا الإتحادية، التي ارتكبت أكبر خطأ استراتيجي بسماحها بتمرير قرار لمجلس الأمن الدولي ضدّ ليبيا سنة 2011 استغلته أمريكا وحلفاؤها لتدمير وتفتيت هذا البلد، وخلق أكبر قاعدة خلفية للجماعات الإرهابية، بغية إقامة مستنقع أفغاني جديد في شمال إفريقيا، روسيا هذه، وعلى غير العادة، وبقرار من رئيسها بوتين، قرّرت تزويد الجزائر بأخطر منظومة للدفاع الجوي المتمثلة في “أس 400″، بل إنّها لم تكتفِ بذلك، وزوّدت الجزائر بصواريخ إسكندر، التي يحسب لها الغرب ألف حساب، إذ بمقدورها إن انطلقت من الجزائر، أن تخلق أكبر حالة من الإرتباك والفوضى في أوروبا، بل أكثر من ذلك أنّ روسيا من خلال قرارها هذا، تكون قد جعلت الجزائر قادرة على منع حركة السفن والطائرات بمضيق جبل طارق، المدخل الوحيد للأمريكيين إلى البحر الأبيض المُتوسط، وأؤكد على هذا الكلام لأن الكيان الصهيوني، سبق له أن أقام الدُّنيا ولم يُقعدها عندما زوّدت روسيا الجزائر بمنظومة “أس 300”.
أمام هذه المُعطيات الجديدة، وفي ظلّ التصريحات النارية للرئيس الرّوسي فلاديمير بوتين، يُمكنني أن أجزم وبشكل كبير، أن الجزائر لم تعد تكترث على الإطلاق لتهديدات الربيع العربي، الذي حاولت قوى الشرّ توطينه في البلاد عبر ليبيا، وعندما فشلت فتحت بؤرة توتر في مالي لاختراق الجزائر من الجنوب، وقبلها راهنت على تحويل الحدود الجزائرية المغربية إلى أهم معبر للإرهابيين باتجاه الجزائر، إلا أنّ الأخيرة أفشلت هذا المُخطط الغبي، عبر حفر خنادق على طول الحدود مع جارنا الملك، الذي لم يكف ليومنا هذا بالنحيب والعويل لإعادة فتح حدود بلاده مع الجزائر.
هنا يحق لنا أن نتساءل ببراءة، وبدون خلفيات، هل تزويد الجزائر بصواريخ “أس 400” و “إسكندر”، هدفهه دعم الجزائر في مُكافحة الإرهاب؟
بالتأكيد أن هذا ليس هو الهدف الإستراتيجي من وراء هذه الصفقات، لأن الجزائر اكتوت بنار الإرهاب قبل أي بلد عربي كان، ونجحت في دحره لوحدها وبإمكانياتها الذاتية، وهي اليوم وبحكم تجربتها خلال العشرية النكداء، السوداء، لا تُخيفها جحافل الإرهابيين مهما كثر عددهم، وبالتالي فإنّ تزويد الجزائر بهذه الأسلحة الروسية المتطورة والفتاكة، هدفه الرئيسي هو ردع داعمي الإرهاب، ومُصنّعيه، الذين لن يشفعوا للجزائر مواقفها المبدئية، والثابتة، الرافضة لأي تدخل أجنبي في شؤون الدول الداخلية، فالجزائر ومع انطلاق تنفيذ مؤامرة “الربيع العربي”، كانت ضد أي تدخل خارجي في شؤون ليبيا وسوريا…، وموقف كهذا دفع برئيس الحكومة ووزير خارجية قطر آنذاك حمد بن جاسم إلى تهديدها بالقول إن “الدّور آت على الجزائر”، وبذلك فإنّ الدعم الروسي للجزائر، يحق لنا أن نقول بشأنه إنّ روسيا تُعلنها صراحة بأن “الجزائر خطّ أحمر”، وإذا نظرنا إلى ما فعلته روسيا في سوريا، يحق لنا أن نتصوّر ما يُمكن أن تقوم به إذا تعلّق الأمر بالجزائر، التي لوحدها قادرة على قلب موازين القوى في أوروبا وليس في الإقليم، بالإعتماد على طاقات ملايين الجزائريين المقيمين هناك، أمّا وأنها اكتسبت وسائل ردع استراتيجية، فنصيحتي للمُتربصين بها، وعلى رأسهم فرنسا، أن يعوا جيّدا أنه منذ قيام النظام الإستعماري العالمي، لم تشهد أي دولة مُستعمرة، ثورة هزمت مستعمرها المدعوم من قبل حلف الشمال الأطلسي بأكمله، كما كان الحال مع فرنسا في الجزائر، وبالتالي أنصح الجميع، بعدم اختبار الجزائر من جديد، لأنها وهي القادرة على دحر الإرهاب، قادرة كذلك على دحر داعميه ومُصنّعيه، فالجزائر بحق خطّ أحمر، وبخاصة في عهد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، الذي أعاد لها السلم والإستقرار، بفضل حكامته وتضحيات بواسلنا من الجيش ومُختلف الأسلاك الأمنية، فالرئيس بوتفليقة وفي رسالته إلى مجلس وزراء الداخلية العرب، المنعقد في الجزائر، أكّد مرّ أخرى أن القضاء على الإرهاب يستوجب بالضرورة تجفيف منابعه الفكرية وبيئته الاجتماعية وتدمير شبكاته الاتصالية والتواصلية، وبرأيي أن الرئيس بوتفليقة قد بعث برسائل ضمنية لوزراء الداخلية العرب، تُشير بوضوح إلى المنابع الرئيسية للإرهاب ومُصنّعيه، وترك لهم الفرصة للتمعن لا غير.

زكرياء حبيبي