ما بعد الضربة.. قرار الانكفاء وإعادة تشكيل النظام السياسي الأمريكي
ليست الضربة العسكرية في العرف الاستراتيجي هي الحدث الأهم، بل ما يعقبها من ارتدادات وتوازنات: إعادة تقييم شاملة للجدوى العسكرية الميدانية، تليها إعادة تشكيل عميقة للهيكل السياسي الأمريكي داخلياً، مع انعكاسات مباشرة ومحورية على مثلث الملفات الساخنة: إسرائيل، أوكرانيا، وتايوان.
وبين هذا وذاك، تخرج الانتخابات النصفية من قوقعة الشأن الداخلي لتستحيل مؤشراً حاسماً على إعادة تعريف القوة الأمريكية في العصر الحديث. وفي عالم السياسة المحكوم بالمناورة، لا شيء يعلو على إثارة الضحك من إعلان الحرب على طريقة المؤتمرات الصحفية؛ فالجميع يتحدث بشغف عن “الضربة”، بينما لا أحد يسأل عن فاتورة الإعمار. واشنطن — التي تكتشف مع كل صباح أن العالم لم يعد يقف في طابور انتظار أوامرها — تقدم لنا اليوم درساً جديداً في الهندسة العسكرية: ابنِ في شهرين، ودع طائرة مسيّرة تهدم في دقيقتين. أما إيران، فبين معادلة “اضرب” و”لا تضرب”، تجد نفسها في دور المتفرج الذي يدفع ثمن التذاكر. وفي واشنطن، لم تعد الانتخابات النصفية مجرد استحقاق دوري بقدر ما هي عملية جراحية للنظام السياسي: تغيير في الوجوه، وثبات في المسرح.
دقة التتبع واختلال منظومات الدفاع: الدرس الجيوسياسي لضربة إيران
العالم كله يترقب ما ستخلفه الضربة الأمريكية الجديدة على إيران، لكن الملفت في ضربة الأمس ليس حدودها الضيقة بقدر ما هو دقة المراقبة الأمريكية للتحركات الإيرانية؛ حيث تمكنت من تدمير ما تم بناؤه خلال الشهرين الأخيرين في منظومة الدفاع الجوي. هذا الواقع يفرض عسكرياً على الإيرانيين إعادة النظر في جدوى مثل هذه المنظومات المكلفة، حتى لا تتحول إلى مجرد ثقب أسود يستنزف الموارد. وكان الأجدر بهم مراجعة دروس الحرب الروسية–الأوكرانية للوقوف على الطريق الأفضل التي مكّنت الروس من توفير حماية حقيقية لمنشآتهم العسكرية.
ومع ذلك، فإن اندلاع حرب مفتوحة مع إيران، أو اللجوء للضربات النووية، يبدو خياراً غير وارد لسببين جوهريين:
- الاستحقاق الداخلي: الانتخابات النصفية المرتقبة لن تكون مجرد محطة مفصلية في ولاية الرئيس ترامب، بل ستكون عملية إعادة تشكيل كاملة للنظام السياسي الأمريكي داخلياً وخارجياً.
- التوازن النووي الراجع: أي ضربات أمريكية من هذا النوع ستكون بمثابة الضوء الأخضر الصريح للروس لضرب الأوكرانيين نووياً دون تردد؛ فالخيار النووي سيمكّن الرئيس بوتين من وقف الاستنزاف البشري والعسكري الكبير لجنوده.
وهنا يظهر الخط الناظم المشترك: الضربة المحدودة ليست بديلاً عن الحرب الشاملة، بل هي مجرد أداة ضغط تكتيكية ضمن مسار إعادة ترتيب جيوسياسي أوسع.
زلزال الانتخابات النصفية: الصندوق يُعيد تشكيل واشنطن
ينتقل السؤال تلقائياً من ساحة الضربة والميدان إلى ساحة الصندوق والسياسة؛ فما يجري في واشنطن هو الترجمة السياسية المباشرة لما بعد الضربة. المتغير الأكبر في نتائج الانتخابات النصفية لن يصيب الحزب الجمهوري وحده، بل إن التيار التقدمي في الحزب الديمقراطي هو الآخر على موعد مع تغيير جذري.
هذا الانقسام البنيوي يفسر موقف السياسية الديمقراطية هيلي ستيفنز وإعلان دعمها العلني للمرشح الجمهوري مايك روجرز في سباق مجلس الشيوخ بولاية ميشيغان، عقب خسارتها الانتخابات التمهيدية أمام عبدول السيد. لقد أنفقت مؤسسة “أيباك” على حملتها قرابة 35 مليون دولار لكنها خسرت في النهاية. تدرك ستيفنز — كما الأغلبية في مجلس الشيوخ — أن معظم الأجندات السياسية باتت أمام تحديات كبرى، وهو ما دفع الرئيس ترامب لسباق الزمن واتخاذ قرار وقف المساعدات المالية والعسكرية لإسرائيل لكي لا يسبقه إلى هذه الخطوة شخص آخر؛ فالقرار كان سيُتخذ حتماً بعد الانتخابات النصفية.
سيكون هذا الملف من أبرز القضايا التي ستُطرح مجدداً على طاولة مجلس النواب؛ فخسارة الجمهوريين للأغلبية ستجبر الرئيس الحالي على التفاوض المعقد مع الديمقراطيين لتمرير أي أجندة. والأمر لا يتوقف عند هذا الحد، فمجلس الشيوخ يمتلك صلاحيات واسعة في مراجعة التعيينات الاستراتيجية لكبار المسؤولين والقضايا، مما يجعل مساءلة وزير الدفاع من أولى مهام المجلس، وهو ما سيضطره لكشف ملفات حرب إيران وصفقات السلاح، تماماً كما أن مراجعة الصفقات العسكرية لإسرائيل وأوكرانيا في عهد الرئيس بايدن ستكون هي الأخرى على طاولة المساءلة والمحاسبة الفيدرالية.
عُزلة تل أبيب وامتداد الانكفاء: من نتنياهو إلى أوكرانيا وتايوان
ما تشهده إسرائيل اليوم هو موعد محتوم مع تحول جوهري؛ بنيامين نتنياهو، بفقدانه الأغلبية، بات كـ “البطة العرجاء” التي تتساقط أوراقها، ولم يعد أحد يقف بجانبه، حتى أعضاء حزب الليكود أنفسهم يتجهون للتخلي عنه تدريجياً.
ولم يعد منطقياً أن يتحول حق النقص (الفيتو) إلى المخرج الوحيد للرئيس ترامب لدفع الديمقراطيين نحو إبرام صفقات تفاوضية. لكن الأهم من ذلك هو أن العالم الذي انتظر من ترامب شن حرب مدمرة على إيران، تفاجأ بأن القلق الأمريكي الداخلي دفعه لإيقاف المساعدات لإسرائيل، بعد إدراكه أن المزاج العام للناخب الأمريكي تغير لدرجة أن اسم إسرائيل بات يشكل تهمة سياسية.
هذه العزلة التي تواجهها إسرائيل اليوم — وأحدث فصولها ينطلق من واشنطن نفسها — يمتد ظلها مستقبلاً ليشمل أوكرانيا وتايوان. فالولايات المتحدة، بغض النظر عن اسم ساكن البيت الأبيض، لم يعد تعاملها مع ملفات القوى الكبرى مثل الصين وروسيا كما كان في السابق؛ تكلفة المواجهة المباشرة أصبحت باهظة ومستنزفة للداخل الأمريكي.
بين ضربة تُعلن ولا تقع، وانتخابات تُباع كأنها معركة وجود، يبقى السؤال قائماً: هل تعيد واشنطن ترتيب أوراقها قبل أن يسبقها العالم إلى طاولة جديدة؟
الأرجح أن المرحلة القادمة ليست مرحلة الحسم العسكري، بل مرحلة إعادة ترتيب النهج السياسي والاقتصادي داخلياً وخارجياً؛ ومن لا يقرأ هذا التحول الجوهري مبكراً، سيجد نفسه خارج المشهد، ينتظر ضربة لن تأتي، أو اتفاقاً أُبرم من دونه.



إرسال التعليق