صدى بابل في مهب الريح…قصة قصيرة
قصة قصيرة:
الفصل الأول: مطار ييوو.. وصدمة البداية
كان هواء مدينة “ييوو” الصينية في تلك الأمسية الخريفية محملاً
برائحة التوابل الآسيوية الممزوجة برطوبة الصناعة وأنفاس البشر
الذين يتدفقون من كل فج عميق. كنت أقف أمام بوابة الفندق أجرّ خلفي
حقيبة سفر أنهكها الترحال، وعيناي تبحثان في زحام الواردين عن ذلك
الوجه المألوف الذي لطالما جمعتني به سنوات من العمل التجاري والثقة
المتبادلة.
“أبو جاسم!” هتفت بها حين لوّح لي بيده من بعيد، مقبلاً بخطوات
سريعة وابتسامة عريضة تعلو محياه.
احتضن بحرارة، وتلاقت كفانا بقوة العارفين بدروب التجارة ومسالكها
الوعرة. جلسنا في مقهى قريب، وطلبت قهوتنا المرة التي تذكّرني بقهوة
ديارنا، لأبادره بسؤال عملي كعادتي:
“أهلاً بك يا أبا جاسم.. لقد تأخرتَ قليلاً هذا الموسم، الأسواق هنا تتغير
بسرعة، وعندي قائمة طويلة من البضائع التي تحتاج إلى مراجعة
وتدقيق معك قبل أن يرتفع السعر أو تنفد الكميات.”
نظر إليّ نظرة غريبة، نظرة امتزجت فيها الحيرة بالاعتذار، وقال بصوت
خافت:
“أنا أعتذر منك يا صديقي.. لن أستطيع إكمال الجولة معك هذه المرة.
غداً لديّ سفرة طارئة، وسأغيب ثلاثة أيام ثم أعود.”
قطّبت حاجبيّ بدهشة واستنكار غير خافٍ، وقلت:
“إلى أين تسافر؟! ولديّ كل هذا العمل معك والوقت يضيق بنا؟ أي
سفرة هذه التي تقاطع عملنا في عز الموسم؟”
ابتسم بابتسامة هادئة، وكأنما يخفي خلفها سراً عظيماً، وقال بنبرة
واثقة:
“ثلاثة أيام فقط.. أذهب إلى سلطنة عمان ثم أرجع.”
هززت رأسِي غير مصدق، وسألته باستخفاف ساخر:
“وماذا تفعل في عمان يا رجل؟ هل تركت الصين وجئت تبحث عن
التمور هناك؟”
أجابني بكل جدية، وكأنما يقدم تقريراً اقتصادياً:
“عمان اليوم تفتح أبوابها لكل من لديه نية جادة لإنشاء معمل أو مصنع.
تعهد لك بأرض، ومسقفات جاهزة، وحماية أمنية، وطاقة كهربائية
مدعومة، وإجراءات إدارية ميسرة بلا روتين معقد، فضلاً عن إقامة لمدة
خمس سنوات لك ولعائلتك، وتسهيلات لا تحصى ولا تعد.”
تأملت كلماته لبرهة، ثم سألته بفضول مشوب بالسخرية:
“طيب.. وماذا ستفتح في عمان يا ترى؟ هل ستنافس الصناعات الكبرى
هناك؟”
قال بلا تردد:
“في نيتي أن أقيم معمل لإنتاج “بوري الستائر” وملحقاته هناك.”
هنا لم أتمالك نفسي، فانفجرت ضاحكاً بصوت عالٍ حتى لتفتص لنا أنظار
من حولنا في المقهى، وقلت له باستهزاء:
“تفتح معمل بوري ستائر في عمان؟! السلطنة بكبرها، كم شباكاً فيها
حتى تستقيم تجارة معمل بوري؟ هل ستبيع للشعب العماني كله أنابيب
ستائر؟!”
نظر إليّ بعينين ثابتتين، وقال بهدوء غريب:
“من قال لك إنني سأبيعها لعمان؟ أنا أقيم المعمل هناك.. لأبيع الإنتاج
كله إلى العراق! الإنتاج هناك يوفر عليّ تكاليف الشحن العالية، ويمنحني
ميزة تنافسية مذهلة.”
سكتُّ.. وانتابتني لحظة صمت رهيب. تجمعت الكلمات في حلقي كغصة
مريرة، وشعرت وكأن الأرض قد مادت بي. رجل يترك الصين،
إمبراطورية الإنتاج والتصنيع، ليؤسس معملاً في بلد عربي مجاور، لا
لشيء إلا ليهرب من جحيم البيروقراطية والخراب والجبايات في وطنه،
وليبيع بضاعته في النهاية إلى.. العراق نفسه! العراق الذي كان يوماً
يطعم الجيران ويكسوها بالحرير!
الفصل الثاني: معرض الفوتيان.. صمتٌ يمزق النياط
في اليوم التالي، كنت أجوب أروقة معرض “فوتيان” الضخم، ذلك المارد
التجاري الذي لا تنتهي ممراته. كنت أقلّب نظري بين أحدث الابتكارات،
حين اقترب مني أحد الرفاق العرب من رجال الأعمال، وكان يرافقني في
الجولة. توقفنا عند جناح يعرض سلعاً بسيطة للغاية؛ مساحات أرضيات
بلاستيكية رخيصة، فرش كنس رديئة الصنع، وأدوات منزلية تافهة يمكن
لأي معمل بدائي أن ينتجها في غضون أيام.
التفت إليّ ذلك الرجل العربي، وبصوت تحسرت فيه النبرة بين الاستغراب
والشفقة، قال:
“يا أخي، العجب كل العجب.. أراكم أنتم أهل العراق تطلبون كميات هائلة
من هذه الصناعات التافهة والبسيطة.. لماذا ليس لديكم معامل في العراق
تغطي السوق العراقية بالكامل من هذه المنتجات؟ أليس لديكم عقول
وأيدي عاملة؟”
شعرت بحرارة السؤال تلسع وجهي. نظرتُ إلى لحيته البيضاء ولحيتي
التي خطها الشيب، فابتسمت ابتسامة صفراء باهتة، وأجبتُه بصوت
متهدج:
“لدينا يا أخي.. لدينا معامل وطاقات، ولكن العراقيين من كثرة ما يأكلون
ويتونسون وتتعدد مجالسهم، لا تكفيهم هذه المكانيس والبلاستيكيات،
لهذا نستورد بعضاً منها!”
سكت الرجل.. ولعلّه حين رأى بياض شيبتي أدرك أن في كلامي سخرية
مريرة واستحيلا للبوح الحقيقي، فالتزم هو الآخر الصمت. وأنا بدوري
أطبقت شفتيَّ حتى كادت تدميان، لكي لا أجرح عراقيتي، عراق ما بين
النهرين، عراق الأيدي العاملة الخلاقة والعقول الجبارة التي أضاءت
العالم يوماً بالحرف والقانون.
لكن، ماذا كنت أستطيع أن أقول له؟ وكيف أفسر له ما لا يُفسر؟ وكيف
أشرح له وحرقة القلب تقطع نياط صدري ألماً وحسرة؟ آهٍ على بلد
تجمعت فيه كل لصوص الأرض، من أقصى المعمورة إلى أدناها، لينهبوه
كما ينهب الجراد حقل أذرة ناضجاً في صهوة صيف لافح.
لم يكتفِ أولئك اللصوص بنهب أمواله وثرواته ومستقبله، بل نهبوا
عقول شعبه.. شتتوهم في آفاق الأرض، كدقيق نثروه بين الشوك في يوم
ريح عاصف، وقالوا لحفاة يوم ريح: “اجمعوه!”.. فلما صعب عليهم
الأمر وعجزت أيديهم عن جمع الفتات، قالوا باستهتار وقسوة: “اتركوه،
إن الذي أشقاه ربي، جئتم أنتم تسعدوه؟!”
يا الله! ماذا أقول له؟ أأقول له إننا بلد نفطي عظيم، نمتلك بحاراً من
الأسود الغالي، ومع ذلك ليس لدينا أبسط الصناعات التكميلية للنفط؟
أأقول له إننا، ونحن من نحن، نستورد الغاز والبنزين من الجيران؟ أأقول
له إننا نستورد حبيبات البلاستيك التي تُصنع منها أبسط الأوعية،
ونستورد الزيوت والتشحيم؟ أأقول له إننا نستورد السماد الكيمياوي من
دول نفطية مجاورة، مع الأسف والف ألف أهٍ تحرق النفس وتفتت
الأكباد؟!
الفصل الثالث: طيف بابل في أسواق ييوو
عادت بي الذاكرة قهراً إلى الوراء، قبل خمسة عشر عاماً من هذا اليوم.
كنت حينها شاباً يحمل طموحاً يغطي الأفق، أقطع ممرات سوق “فوتيان”
القديم برفقة مترجمة صينية تتقن الإنجليزية بطلاقة.
يومها، وسط زحام البضائع والصراخ المعتاد، مررت بجانب محل صغير
متواضع، لم يكن يعرض سلعاً براقة، بل كان صاحبه جالساً بهدوء، يقرأ
في كتاب ضخم مجلد بعناية. لفت انتباهي الغلاف؛ كانت عليه صورة
واضحة لجزء من “الجنائن المعلقة”.
تجاوزت المحل بخطوات، ثم استوقفتني الرهبة المفاجئة.. رجعت إلى
الخلف بخطوات بطيئة حتى وقفت أمام الباب. لاحظت المترجمة ترددي
فقالت باستغراب: “ماذا هناك؟ هل تبحث عن سلعة معينة؟”
قلت لها بصوت خفيض:
“دعينا نعود إلى هذا المحل قليلاً.”
قالت بضجر لطيف:
“هذا ليس محلاً لعملنا، بضاعته غريبة وليست ضمن قائمتك.”
قلت لها:
“أعلم، لكن لدي رغبة ملحة لأفهم.. اسأليه بالله عليك، لماذا يقرأ في هذا
الكتاب تحديداً؟”
اقتربت المترجمة من صاحب المحل، وتحدثت معه بالصينية، وهو ينظر
إليّ ثم إلى الكتاب، ثم أجاب بابتسامة وقار. التفتت إليّ المترجمة وقالت:
“يقول إن هذا الكتاب اسمه “بابلون” (بابل).”
عقدت حاجبيّ بتأثر، وقلت لها:
“اسأليه.. وما الذي يربط تاجراً صينياً في أقصى شرق الأرض بمدينة
بابل، وبينك وبينها آلاف الأميال، وحضارة تختلف جذرياً عن
حضارتكم؟”
أصغت المترجمة لرد الرجل، ثم نقلت لي كلماته بحرفيتها، وكأنها ترتل
نصاً مقدساً: “يقول صاحبي: أنا أقرأ عن بابل، لأنها هي التي علمت
البشرية طرق الحياة، وسنّت القوانين الأولى، ووضعت للناس قواعد
النظام المدني وفن العيش المشترك.. إنها أم المدن.”
شعرت بوخزة عميقة في قلبي، بغصة حرى خنقت عاصفة الكلام. هززت
رأسي شكراً للرجل، وخرجت من المحل وأنا أردد في نفسي بحرقة تمزق
الروح:
“آهٍ.. لو تعلم يا صديقي الصيني، لو تعلم ماذا فعل أحفاد بابل بحضارتهم
العظيمة.. لمزقت هذا الكتاب بيديك وأحرقته كي لا يلوث بصرك واقعهم
المرير!”
الفصل الرابع: وصية بلا عتب
خرجت من استغراقي في الذكريات على صوت هاتفي النقال يرن معلناً
رسالة جديدة. فتحتها فإذا هي من “أبي جاسم” يقول فيها:
“أخي، حجزت التذكرة إلى مسقط.. إن كنت ترغب في أن أرسل لك
تفاصيل المعرض هناك، فأنا بالخدمة.”
أغلقت الهاتف، ونظرت عبر زجاج النافذة العالية إلى الشارع الصيني
النابض بالحياة، حيث العمل مستمر، والتخطيط دقيق، والمستقبل يُبنى
حجرًا بحجر برؤية وصدق. ثم أغمضت عينيّ لحظة.. وتخيلت فراتنا
الحبيب، ونخيلنا الباسق الذي يُستباح، ووجوه أطفالنا الذين يولدون وفي
أجيابهم ديون أجيال لم تولد بعد.
ليست القصة قصة معمل “بوري ستائر” في عمان، ولا هي قصة فرشاة
كنس مستوردة من الصين؛ بل هي قصة شعبٍ سلبوه صانع قراره،
وباعوا ليلَه بثمن بخس، وتركوه يفتش عن ظله بين شظايا التاريخ.
لكن، بالرغم من كل هذا الليل الطويل، وبالرغم من أن نياط القلب قد
تقطعت، تظل في الصدر بقية من أمل. أمل بأن بابل التي علمت العالم
الحرف، لن تموت في أبنائها المخلصين، وأن طوفان الفساد مهما علا،
فإن صخرة الأحرار ستبقى أصلب منه، تبني بصمت، وتنتظر فجراً لا
محالة آتٍ، ولو بعد حين.
……………………………………………
حيدر حسين سويري
كاتب وأديب وإعلامي



إرسال التعليق