الخبر بلا حارس معايير المحتوى الإعلامي: مسؤولية من؟
تيمور ياسر
في أيار 2004 فعلت «نيويورك تايمز» ما تتحاشاه الصحف الكبرى عادة: وقفت أمام قرائها واعترفت. فبعد أكثر من عام على غزو العراق، نشرت ملاحظة من هيئة تحريرها أقرّت فيها بأن بعض ما كتبته عن أسلحة الدمار الشامل لم يبلغ الصرامة الواجبة، وبأن معلومات جاءت من منشقين ومنفيين عراقيين مرّت بلا تمحيص كافٍ.
كان الاعتراف شجاعاً، لكنه جاء متأخراً. فالحرب كانت قد وقعت، والتغطية التي مهّدت لها قرأها الملايين. ومن تلك الملاحظة يتفرّع سؤال يلاحق المهنة منذ قرن: إذا خرج المحتوى الإعلامي عن معاييره، فمن يتحمل المسؤولية؟ الصحفي الذي كتب؟ المحرر الذي مرّر؟ المالك الذي موّل؟ الدولة التي لم تراقب؟ المنصة التي ضخّمت؟ أم القارئ الذي صدّق؟
ما المعيار أصلاً؟
قبل أن نسأل من يُحاسَب، لنتفق على ما يُحاسَب عليه. في كتابهما «عناصر الصحافة» (2001) وصف بيل كوفاتش وتوم روزنستيل جوهر المهنة بأنه «انضباط في التحقق»، وجعلا الحقيقة أول التزاماتها والمواطنين أول ولاءاتها، وطالبا الصحفي بالاستقلال عمّن يغطيهم. وتدور مواثيق المهنة الكبرى، ومنها مدونة جمعية الصحفيين المحترفين الأمريكية، حول الركائز نفسها: السعي إلى الحقيقة ونشرها، وتقليل الأذى، والعمل باستقلال، والمساءلة والشفافية.
فالمعايير معروفة، وليست المشكلة في غيابها بل في تشتّت من يحرسها.
الصحفي: خط الدفاع الأول
تبدأ المسؤولية من الكاتب. ففي 1981 أعادت «واشنطن بوست» جائزة بوليتزر بعدما تبيّن أن مراسلتها جانيت كوك اختلقت بطل تحقيقها، وهو طفل مدمن لم يوجد. وفي 2003 هزّت فضيحة جيسون بلير «نيويورك تايمز» حين انكشف أنه لفّق ونسخ في عشرات من تقاريره، فاستقال رئيس التحرير ومدير التحرير.
لكن الحالتين تقولان أكثر من ذلك: الفرد وحده لا يكفي. فقد أفلت الكاتبان طويلاً لأن الرقابة داخل غرفة الأخبار لم تُحكم، ولأن القصص المدهشة تُغري محرّريها بالتصديق قبل التدقيق. وقد وضع سي. بي. سكوت، محرر «مانشستر غارديان»، القاعدة قبل قرن، في مقال بمناسبة مئوية الصحيفة عام 1921: «التعليق حرّ، لكن الوقائع مقدّسة». ومن يلتزمها يفصل بين خبره ورأيه فصلاً يراه القارئ بعينه.
المحرر والمالك: حين تنكسر الحلقة الثانية
إذا تعثّر الصحفي فالمحرر هو الحارس، وإذا تعثّر المحرر فالمالك هو الحلقة التالية. وأوضح مثال على ذلك ما جرى لصحيفة «نيوز أوف ذا وورلد» البريطانية، التي أغلقتها مجموعتها عام 2011 بعد 168 عاماً من الصدور، إثر الكشف عن اختراق صحفييها بريداً صوتياً لمراهقة قُتلت، وهو ما كشفته «الغارديان». ولم تكن الفضيحة خطأ فرد، بل ثقافة عمل سكتت عنها الإدارة.
وجاء تحقيق اللورد ليفيسون عام 2012 ليسأل ما الذي يحدث حين تفشل الرقابة الذاتية، فأوصى بهيئة تنظيم مستقلة مسنودة بقانون. رفضت كبرى الصحف الشق القانوني، فتأسست هيئة بديلة بتنظيم ذاتي عام 2014. وما زال الجدل مفتوحاً: هل يكفي أن تراقب المهنة نفسها؟
الدولة: سيف بحدّين
يبدو الحل الأسهل أن يتولى القانون ما تعجز عنه المهنة. لكن الرقابة الرسمية على «المعايير» كانت في كثير من الأزمنة اسماً مهذباً للتحكم في ما يُنشر. ولذلك نشأت فكرة «المسؤولية الاجتماعية» للصحافة، حين خلصت لجنة هاتشينز الأمريكية عام 1947، في تقريرها «صحافة حرة ومسؤولة»، إلى أن الحرية تستتبع تبعات، واقترحت هيئة مستقلة تقيّم أداء الصحافة من غير أن تكون ذراعاً للحكومة. وبعد تسع سنوات رسم سيبرت وبيترسون وشرام في «أربع نظريات للصحافة» خريطة النماذج المتصارعة، من السلطوي إلى الليبرالي إلى المسؤولية الاجتماعية.
وما زال السؤال نفسه مطروحاً بصيغة جديدة. فقانون حرية الإعلام الأوروبي، الساري في الاتحاد منذ آب 2025، يلزم الدول باحترام الاستقلال التحريري وحماية المصادر الصحفية، ويفرض شفافية أكبر في ملكية المؤسسات. أي أنه يحمي الصحافة من الدولة أكثر مما يحاسبها بها، وهذا بالضبط ما أرادته لجنة هاتشينز.
المنصات: المحرر الذي لا يوقّع
ثم تغيّر المشهد كله. فبحسب تقرير معهد رويترز لدراسة الصحافة لعام 2026، الصادر في حزيران، تجاوزت الشبكات الاجتماعية ومنصات الفيديو للمرة الأولى مواقع المؤسسات الإخبارية وتطبيقاتها كأوسع بوابة لأخبار الإنترنت عالمياً، إذ يستخدمها نحو 54% من الجمهور. والمحرر هنا خوارزمية: لا توقّع، ولا تُسأل، ولا تعتذر.
وقد حاول القانون الأوروبي نفسه أن يضع قيداً على المنصات الكبرى، فمنعها من حذف المحتوى المهني دون إجراء عادل وشفاف. لكن حماية المحتوى المهني من التعسف شيء، والمسؤولية عمّا تضخّمه الخوارزميات شيء آخر، ولم يُحسم نقاشه بعد. وفوق ذلك، يصنع الأخبار على هذه المنصات اليوم كثيرون بلا غرفة أخبار ولا محرر ولا ميثاق، وإن ظل أغلب جمهورهم يتابع الصحافة التقليدية إلى جانبهم.
القارئ: الحلقة المنسية
يبقى الشريك الأخير، وهو الذي لا يُسأل عادةً. ففي التقرير نفسه بلغت الثقة بالأخبار عالمياً 37%، وهي الأدنى منذ بدأ المعهد القياس عام 2015، وقال واحد من كل ستة ممن هم دون الخامسة والثلاثين إنه استخدم روبوت دردشة للحصول على الأخبار في الأسبوع الماضي. الثقة تتآكل والمصدر يتغير في آن واحد.
وقد حذّر والتر ليبمان في «الرأي العام» (1922) من أن الناس لا يتعاملون مع الواقع نفسه، بل مع صور عنه في رؤوسهم. ومن يصنع هذه الصور يصنع جزءاً من الوعي العام. وحين يصبح القارئ موزّعاً للأخبار بضغطة زر، يصير جزءاً من السلسلة، ويغدو التثبت قبل المشاركة واجباً مدنياً لا نصيحة مهنية.
من المسؤول إذن؟
الجواب أن المسؤولية مشتركة، لكنها ليست متساوية. فمن ينشر يتحمل المسؤولية الأولى لأنه الوحيد الذي يعرف كيف جُمعت المعلومة. ثم من يموّل ويمتلك، لأنه يحدد ما تحميه غرفة الأخبار وما تخشاه. ثم من يوزّع ويضخّم، لأن الانتشار قرار لا حياد فيه. ثم المشرّع، بحذر شديد، لأن يده الثقيلة قد تخنق ما جاء ليحميه. وأخيراً الجمهور، لأن الإعلام الذي لا يجد من يطالبه بالمعايير سيكفّ عن الالتزام بها.
تعلّمنا ملاحظة «نيويورك تايمز» عام 2004 درساً بسيطاً: الخطأ المعلن أرخص من الخطأ المكتوم، وإن جاء متأخراً. والمهنة التي تعرف من يحاسبها، ولا تخاف السؤال، تظل أهلاً بثقة من تخاطبهم.



إرسال التعليق