عَبَثيات قضية نيغريرا.. المشنوق يحقق في سرقة المشنقة

غالي وناس

في زمن تفوق فيه الواقعية السحرية كل خيالات أدباء أمريكا الجنوبية، وتتحول فيه الكوميديا السوداء إلى نشرة أخبار يومية، تطل علينا قضية “نيغريرا” في إقليم كتالونيا بحلة جديدة من العبث المطلق. تخيل معي عزيزي القارئ هذا المشهد السينمائي الفريد: جريمة تُرتكب في قلب الإقليم، فيفجر فضيحتها الصحفية الكبرى… صحفي كتالوني يشتغل في صحيفة كتالونية أصيلة! والقضية بأسرها بكل تركاتها وشبهاتها تُعرض أمام محكمة برشلونة، وينظر فيها… قضاة كتالونيون أبا عن جد!

إنها حقاً “عبسيات” الكوكب الأزرق، حيث يصرّ أبطال الدراما على أن يحاكموا أنفسهم، بأنفسهم، لأن العدالة في نظرهم لا ترتدي طاقية الإخفاء إلا إذا كانت مرتدية لقميص البلوغرانا!

1. الصحفي الكتالوني الحكواتي: طعنة في ظهر البيت العريق

لنباشر القصة من شرارتها الأولى؛ فالبطل هنا ليس محققاً دولياً سرياً، ولا جهازا استخباراتياً أجنبياً يسعى لتقويض إمبراطورية “الموسم الواحد”، بل هو صحفي ينتمي لنفس الكيانات الإعلامية المحلية في كتالونيا. وكأن الرجل قرر أن يلعب دور “دون كيشوت” ولكن بالمقلوب؛ فعوض أن يحارب طواحين الهواء، قرر أن يحارب طواحين ناديه المفضل، مفجراً قنبلة مدوية عن ملايين اليورو التي كانت تتدفق بسخاء عجيب على نائب رئيس لجنة الحكام السابق “إنريكيز نيغريرا”.

الوسط الكتالوني بأكمله أصيب بحالة من الصدمة العصبية؛ كيف تجرأ هذا الصحفي على خرق “قانون الصمت” العائلي؟ ألا يعلم أن غسيل الكبار يجب أن يُشر في الغرف المغلقة لا عبر صفحات الجرائد المحلية؟ لقد تحول الصحفي بين عشية وضحاها من “مواطن صالح” في نظر المدرجات إلى خائن عظمى يستحق النفي خارج حدود “استوديو كامب نو”.

2. محكمة برشلونة والقضاة الكتالونيون: العدالة التي تلبس “شورت” وبرشامة

وما إن أخذت القضية طريقها نحو القضاء، حتى توقع العالم المتحضر أن تُحال إلى هيئة قضائية محايدة في مدريد، أو ربما في جنيف، لضمان النزاهة المطلقة وابعاد شبح الشبهات. لكننا لسنا في كوكب عاقل، نحن في عالم “العبسيات”!

القضية استقرت بأمان تام في محكمة برشلونة، وتولى زمام التحقيق فيها والحكم على تفاصيلها… قضاة كتالونيون صميمون. تخيل معي هيئة المحكمة وهي تلتئم؛ القاضي يرتدي بدلته الرسمية السوداء، وتحت الطاولة ينتعل حذاءً يحمل ألوان الفريق، ومكتبه مزين بصورة تاريخية لليونيل ميسي!

ثم يخرج علينا أحدهم بكل برود أعصاب ليحدثنا عن “النزاهة المطلقة واستقلال القضاء”. بالطبع يا سيدي القاضي، نحن نثق تماماً أن الحكم سيكون عادلاً وشفافاً، تماماً مثل ثقتنا في أن الشتاء في الصحراء الكبرى سيكون ثلجياً بالكامل! كيف لا والقضاة يقرؤون أوراق القضية صباحاً، ويحتسون قهوتهم المسائية في نفس المقاهي التي يهتف ارتيادها بشعارات النادي المذكور؟

3. دفاع استثنائي: “ندفع الملايين لشراء النصائح الفنية.. وليس الحكام!”

ومن أطرف فصول هذه المسرحية الهزلية هو التبرير الرسمي والمجتمعي السائد لتلك المدفوعات الفلكية التي امتدت لعقود. حين سُئل القوم عن سر تحويل ملايين اليورو لنائب رئيس الحكام، جاء الرد الفلسفي العميق ليُدرس في معاهد الكوميديا العالمية: “نحن لم نكن نشترِ الحكام أبداً، بل كنا ندفع هذه الأموال الطائلة مقابل تقارير استشارية فنية واستشارية حول الحكام!”.

يا الهي! تقارير استشارية تكلف الملايين؟ لو أن هذه التقارير كانت مكتوبة بماء الذهب الخالص ومرفقة بخرائط فلكية لتحديد حركة الكواكب أثناء احتساب ركلات الجزاء، لما بلغت هذا الثمن. ويبدو أن تلك التقارير كانت عبارة عن نصائح سحرية من نوع: “تجنبوا الاحتكاك بمدافع الخصم داخل منطقة الجزاء لئلا يضطر الحكم الحبيب لإعلان مخالفة”. يا لها من عبقرية إدارية فذة!

خاتمة العبث

في النهاية، ونحن نترقب فصول هذه المسرحية القانونية والإعلامية الفريدة، لا يملك المرء إلا أن يقف احتراماً لهذا القدر الهائل من “الدراما الذاتية”. صحفي كتالوني يطلق الرصاصة الأولى، وقضاة كتالونيون يتولون تشريح الجثة في نفس الإقليم، وجماهير تؤكد طوال الوقت أن ناديها هو المظلوم تاريخياً في كون يحابيع ريال مدريد!

إنها قضية نيغريرا باختصار شديد: محاكمة تقام برعاية البيت، وتُحسم بعدل الأهل والأحباب.. وحين يصدر الحكم بالبراءة المنتظرة، فلا تندهش أبداً عزيزي القارئ، بل ردد معنا بصوت عالٍ: “عاشت العدالة الكتالونية المستقلة جداً عن أي شيء له علاقة بالواقع!”.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك