ماذا حققت الجزائر المستقلة؟.. مسيرة بناء سيادة وسط أمواج متلاطمة
حين تُطرح التساؤلات حول حصيلة الاستقلال الوطني في الدول التي عانت من أعتى أنواع الاستعمار الاستيطاني، غالباً ما تتباين الأحكام بين من يختزل التاريخ في الهوة الاقتصادية الآنية، وبين من ينظر إلى عمق البناء الوجودي للدولة. وتُعد التجربة الجزائرية منذ استرجاع السيادة الوطنية في الخامس من جويلية (يوليو) 1962 واحدة من أكثر التجارب تعقيداً وفرادة في العالم الثالث؛ إذ لم تقتصر معركة الاستقلال على طرد المستعمر، بل امتدت لتشمل إعادة بناء إنسان مُحطم ومجتمع مسلوب الهوية، واقتصاد مدمر بالكامل. فماذا حققت الجزائر المستقلة حقاً عبر عقود من المخاض والتحولات؟
1. الاسترداد السيادي وبناء هيكل الدولة الحديثة
في صائفة 1962، ورثت الجزائر أرضاً محروقة ومؤسسات خاوية على عروشها بعد رحيل شبه جماعي للإطارات والتقنيات الفرنسية، مخلفين وراءهم فراغاً هائلاً ونسبة أمية تجاوزت 85%.
- تأسيس السيادة الوطنية المطلقة: كان الإنجاز الأبرز في العقد الأول للاستقلال هو ترسيخ حدود الدولة الوطنية وتطهير التراب الوطني من القواعد العسكرية الأجنبية (مثل إخلاء مرسى الكبير وبشار وغيرها)، وصولاً إلى التأميمات الكبرى وعلى رأسها قطاع المحروقات سنة 1971، وهو القرار التاريخي الذي منح الجزائريين لأول مرة حق التحكم في ثرواتهم النفطية والغازية واستخدام عائداتها لتمويل التنمية.
- إرساء المؤسسات الإستراتيجية: نجحت الدولة الفتية في تشييد هياكل إدارية، وقضائية، وتشريعية، وبناء جيش وطني شعبي محترف وسليل لجيش التحرير، تكفل بحماية الحدود المترامية الأطراف وصون الاستقلال في أقسى الظروف الأمنية، ولا سيما خلال العشرية السوداء التي كادت تعصف بكيان الدولة لولا صلابة المؤسسة العسكرية وتلاحم الشعب.
2. النهضة التعليمية والصحية: من ظلمات الأمية إلى استثمار العقول
إذا كان الاستعمار قد سعى طيلة قرن وثلث إلى تغييب الهوية ونشر الجهل الممنهج، فإن أول ما انكبّت عليه الدولة المستقلة هو الاستثمار في العنصر البشري:
- ثورة التعليم المجاني: فتحت المدارس أبوابها لملايين الأطفال الذين حرموا منها، وتم تعميم التعليم الإلزامي والمجاني على نطاق واسع عبر مختلف مناطق الوطن، حتى في أقاصي الصحراء. وقد تُرجم هذا الجهد لاحقاً إلى تخريج ملايين الإطارات، والأساتذة، والأطباء، والمهندسين الذين أداروا مرافق الدولة وشقوا طريقهم نحو العالمية.
- الرعاية الصحية الشاملة: شيدت الدولة شبكة واسعة من المستشفيات، والعيادات الجوارية، ومراكز الصحة القاعدية، واعتماد نظام الطب المجاني الذي ضمن لكل مواطن حق العلاج دون تمييز، مما ساهم في رفع متوسط العمر المتوقع وتقليص معدلات وفيات الأطفال مقارنة بفترة ما قبل الاستقلال.
3. البنية التحتية والعمق الجغرافي العمراني
تجسدت إنجازات الجزائر المستقلة ميدانياً في تغيير ملامح الجغرافيا الوطنية وكسر العزلة بين مختلف الجهات:
- فك العزلة وتعمير الداخل: تم إطلاق مشاريع كبرى لربط الشمال بالجنوب عبر شبكة طرقات عملاقة (مثل طريق وحد وحدة إفريقية والطريق السيار شرق-غرب)، فضلاً عن إنجاز السد الأخضر كحزام إيكولوجي ضخم لمواجهة زحف الرمال، وبناء المدن الجديدة والمستشفيات الجامعية الكبرى في الولايات الهضبية والجنوبية.
- الأمن المائي والطاقوي: إنجاز شبكة هائلة من السدود، ومحطات تحلية المياه على طول الشريط الساحلي لضمان الأمن المائي، وتوسيع شبكات الكهرباء والغاز لتصل إلى أبعد القرى والمداشر النائية، لتسجل الجزائر نسب تغطية طاقوية تعد من الأعلى إقليمياً.
4. الثوابت الدبلوماسية ومكانة الجزائر الدولية
لم تقتصر إنجازات الجزائر على الداخل، بل امتدت لتشكل رقماً صعباً ومؤثراً على الساحة الإقليمية والدولية:
- قبلة الأحرار ومنارة الدبلوماسية: ظلت الجزائر طوال عقود الوجهة المركزية لحركات التحرر في إفريقيا والعالم (نيلسون مانديلا، وفصائل التحرر الوطني وجدت فيها سنداً لا يلين). واستندت الدبلوماسية الجزائرية إلى مبادئ صارمة تقوم على عدم الانحياز، ورفض التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
- الوساطات وحل النزاعات: لعبت الجزائر دور الوسيط النزيه والمقبول دولياً في حل العديد من الأزمات الإقليمية والدولية المعقدة (مثل أزمة الرهائن الأمريكيين في إيران، واتفاقيات الجزائر للسلام في إفريقيا)، مما منحها رصيداً هائلاً من المصداقية السياسية.
إن تقييم مسيرة الجزائر المستقلة لا يكتمل بالنظر فقط إلى التحديات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة أو النقائص المسجلة، بل يجب أن يُقاس بحجم التركة الثقيلة التي ورثتها الدولة سنة 1962 ومقارنتها بما تم إنجازه على أرض الواقع بجهود أبنائها. لقد أثبتت الجزائر أن بناء دولة سييدة ذات قرار حر ومواقف ثابتة هو مسار طويل وشاق، لكنه ممكن وثابت لمن يمتلك إرادة البقاء.



إرسال التعليق