ماذا قال اكبر علماء المتخصصين في دراسات القرآن واللغة العربية في أوروبا عن القرآن
عباس صاري
مقدمة: استحالة بشرية أم حقيقة إلهية؟
دائماً ما تتردد في أروقة الفكر البشري مقولات تشكيكية تحاول مقارنة القرآن الكريم بالكتب السماوية السابقة، أو بالكتب والموسوعات البشرية الكبرى، مدعين أن كتاباً يناهز الستمائة صفحة، ويحوي أكثر من سبعة وسبعين ألف كلمة، وتتفرع آياته إلى ستة آلاف ومائتي ست وثلاثين آية، هو أمر من المحال حفظه واستظهار دروب حروفه، فضلاً عن إتقان أحكام تلاوته من غُنّة، ومدّ، وقلقلة، وإدغام.
لكن المفاجأة الكبرى التي طالما صدمت المشككين، وألجمت ألسنة الباحثين عن ثغرات، هي الاعترافات التاريخية التي أدلى بها حتى أشد خصوم الإسلام ومستشرقوه، الذين قضوا أعمارهم بحثاً عن مدخل لهدم هذا البنيان، فكانت الحصيلة أن انقلب السحر على الساحر، وجاءت الشهادة من أطرافها!
ريجيس بلاشير.. شهادة الحق من محراب الإلحاد
يُعد الفرنسي ريجيس بلاشير أحد أبرز وأكبر المتخصصين في دراسات تاريخ القرآن واللغة العربية في الغرب، وهو رجل قضى زهرة شبابه وعمره كله يبحث عن ثغرة واحدة، أو تناقض لغوي، أو عيب تاريخي ينفذ منه للطعن في مصدر هذا الكتاب.
وفي نهاية مطاف بحثه الطويل، وأمام صلابة الواقع وسطوة الحقيقة، وقف بلاشير ليعلن استسلامه المعرفي، وهو يبتلع مرارة الخيبة أمام عظمة النص، ليطلق مقولته الشهيرة التي أصبحت مرجعاً لكل منصف:
“القرآن هو الكتاب الوحيد الذي يحفظه مئات الملايين عن ظهر قلب. لا يوجد كتاب في العالم يحفظه هذا العدد. التوراة لا يحفظها حتى الخاخامات، والإنجيل لا يحفظه حتى البابا. هذه معجزة نقل حي.”
هذه الشهادة لم تكن مجرد إقرار رقمي، بل كانت اعترافاً بأن القرآن الكريم يتمتع بخصائص ميتافيزيقية وتاريخية لا توجد في أي كتاب آخر على وجه الأرض.
أرقام مذهلة.. مئات الملايين في محراب الصدور
حين نتحدث عن حفظة القرآن، فإننا لا نتحدث عن النخبة الأكاديمية أو علماء اللسانيات فحسب، بل نتحدث عن ظاهرة ديموغرافية واجتماعية فريدة في تاريخ البشرية جمعاء. أرقام تتجاوز مئات الملايين من البشر؛ تجد بينهم الطفل ابن الأعوام الستة الذي لم يدرك بعد تعقيدات الحياة ولكنه يرتل الآيات ترتيلاً، والراعي الأمي في جبال اليمن الوعرة الذي لا يملك من حطام الدنيا شيئاً سوى قلبه المعلق بكلام ربه، والمرأة العجوز في أقاصي الأدغال الأفريقية أو نيجيريا التي لا تقرأ ولا تكتب ولا تفرق بين الحروف، لكنها تتقن قراءة القرآن غيباً كأنما يُتلى في تلك اللحظة من اللوح المحفوظ.
هذا الحفظ لا يقتصر على لون أو عرق أو لغة؛ فهو يتواجد عند الهندي، والصيني، والاندونيسي، والعربي، والأوربي؛ لسان أعجمي ينطق ببيان عربي مبين بلا عُجمة ولا تلعثم.
السر الإلهي: “إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون”
لماذا عجزت بقية الكتب عن حفظها واستمرت في دائرة الضياع والتحريف والتغير؟ السر يكشفه القرآن الكريم نفسه بكلمات قطعية دقيقة حين تحدث عن الكتب السابقة قائلاً:
$$بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ$$
أي أن الله وكّل حفظها للبشر، وكلما وكل الله أمراً للبشر عرضة للضعف والنسيان والهوى، ضاع وضُيِّع. فلا تجد اليوم بابا في الفاتيكان يحفظ الإنجيل كاملاً، ولا حاخاماً يهودياً يحفظ التوراة عن ظهر قلب، بل يعتمدون على النسخ المدونة والمراجعة المستمرة وغالباً ما تتضارب نصوصها.
أما القرآن العظيم، فقد تولى الله عز وجل حفظه بنفسه ولم يكلْه إلى طاقة البشر وحدها، فقال جل شأنه:
$$إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ$$
فجعل الله من صدور المؤمنين أوعية حية تحفظه، ومن السطور مساطر توثقه، ومن اللسان البشري منبراً يصدح به آناء الليل وأطراف النهار.
التحدي المفتوح: لو غرق كل مصاحف الأرض!
لو افترضنا – جدلاً وفراضة خيالية – أن البشرية جمعاء استيقظت صباحاً فجداً كل مصاحف العالم الورقية والرقمية قد أُغريت في محيطات الأرض ومحتها التكنولوجيا، فهل يزول القرآن؟
والله العظيم، في صباح الغد ذاته، سيتكفل أطفال الكتاتيب في أصقاع الأرض بإعادة كتابة القرآن كاملاً من صدورهم وذاكرتهم، حرفاً بحرف، وكلمة بكلمة، وتشكيلاً بتشكيل، دون أن يختل منه حرف واحد أو تسقط منه حركة إعراب! هل رأى التاريخ البشري كتاباً واحداً في المشرق أو المغرب يستطيع أن يفعل أصحابه أو حفاظه ذلك؟ كلا والله.
خاتمة: معجزة حية تمشي على الأرض
القرآن ليس مجرد كتاب يحمل بين دفتيه أفكاراً فلسفية أو قوانين تشريعية فحسب، بل هو معجزة حية ناطقة تمشي على الأرض، تتجدد في كل عصر، وتتحدى كل قوى التشكيك والإلحاد. وحين ينطق الخصوم والأعداء بشهادة الحق، تصبح الحجة ألزم، والبرهان أطوع، ليبقى كتاب الله شاهداً على أن هذا النور محفوظ بأمر خالقه إلى أن يرضى الله على الأرض ومن عليها.
الحق ما شهدت به الأعداء، وصدق الله العظيم القائل: ﴿لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا من خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾.



إرسال التعليق