أسئلة جوهرية استراتيجية حول حرب ايران
حكيم زيات
انتظار نتائج الانتخابات في اسرائيل و أمريكا لا يعكس حالة من السكون العسكري أو السياسي، بل يمثل في جوهره موقعاً تفاوضياً وظيفياً. ما يشهده الميدان اليوم ليس استراحة محارب أو تمهيداً لتهدئة، بل إعادة تموضع استراتيجي يُفهم بالنظر إلى المشهد كسباق معقد بين ساعتين زمنيّتين تعدان تنازلياً، ضمن ما يمكن وصفه بـ “الحصار المزدوج”: حضور بحري أمريكي يطوق إيران، وقدرة إيرانية متصاعدة على تعطيل الشرايين البحرية والاقتصادية للخليج.
أولاً: معادلة الساعتين وتضارب أدوات الضغط
تدار هذه المواجهة عبر سباق زمني مزدوج تختلف فيه حوافز القيادة وكلفة الاستمرار لدى كل طرف:
- الساعة الأولى (الإيرانية): تتمثل في الضغط الاقتصادي المتصاعد نتيجة تراجع صادرات النفط عبر مضيق هرمز إلى مستويات غير مسبوقة، وتوقع نفاذ الموارد المالية المتأتية من الشحنات السابقة، بالتوازي مع انكماش حاد في الناتج المحلي الإجمالي.
- الساعة الثانية (الأمريكية): تتبدى في الحساسية الانتخابية المحلية؛ حيث يسهم ارتفاع أسعار برنت وتضاعف تكلفة الوقود في الداخل الأمريكي في فرض قيد مباشر على اتخاذ قرار التصعيد العسكري قبل الاستحقاقات الانتخابية، مما دفع واشنطن إلى تحييد خيار الضربة المباشرة مؤقتاً.
وفي ظل قياب “نقطة الالتقاء التفاوضية” (Winning/Settlement Zone)—حيث يرى كل طرف أن عامل الوقت يعمل لصالح رصيده الاستراتيجي—تتحول المفاوضات من أداة لإبرام تسوية إلى وسيلة لإدارة الضغط وتعميق الحصار. وتزداد هذه المعادلة تعقيداً بما يُعرف في نظرية المساومة الاستراتيجية بـ “مشكلة الالتزام”؛ إذ تنظر طهران إلى خيار التنازل كإنكشاف أمني يغري بالضربة ولا يحمي منها، مستحضرين دروس تجارب سابقة في المنطقة.
ثانياً: تباين الأجندات والحدود العملية للقوة
تتباعد رؤى حلفاء واشنطن وتل أبيب وتتقاطع في نقاط حرجة:
- الموقف الأمريكي: يهدف إلى تحقيق غايات قابلة للقياس والإدارة؛ تشمل تقييد البرنامج النووي، ضمان حرية الملاحة الدولية، وتجنب الانزلاق إلى انخراط عسكري مفتوح.
- الموقف الإسرائيلي: يميل نحو رفع سقف الأهداف الاستراتيجية، مع إبداء الاستعداد للتحرك المستقل إذا اقتضت الضرورة، غير أن هذا التوجه يصطدم بواقع عملي يتمثل في أن التفوق الدفاعي وتأمين الملاحة الميدانية يظلان رهينين بالقدرات اللوجستية والقيادية الأمريكية، مما يمنح واشنطن كبحاً فعالاً لمسارات التصعيد غير المحسوبة.
ثالثاً: الشمال الخليجي وحسابات الاختراق الداخلي (الكويت كنموذج)
تتبدى في المسرح الشمالي للخليج ديناميكيات استهداف موجهة تُقرأ عبر استعادة أدوات التأثير الجيوسياسي. وتُظهر القراءة الميدانية أن الساحات الأكثر انكشافاً في العمق الدفاعي والمدى الجغرافي تُمثل نقاط اختبار متقدمة لمعادلة الحماية الأمريكية، وذلك عبر ثلاثة أبعاد استراتيجية:
- اختبار نجاعة الالتزامات الأمنية: قياس مدى فاعلية مظلة الحماية الأمريكية المباشرة أمام أنماط التهديد غير المتناظرة.
- بناء عمق بري للحصار عبر وكلاء إقليميين: استخدام الفصائل لتوسيع نطاق التصعيد دون تحمّل الكلفة المباشرة للمواجهة بين الدول، وهو ما يفسر نمط الردود العسكرية التي تتجه غالباً نحو قواعد أو أهداف للوكلاء بدلاً من الصدام المباشر مع المركز.
- توظيف الملفات التاريخية والمعلقة: تحويل الضغط العسكري التدريجي إلى أداة لابتزاز سياسي طويل الأمد، يستهدف إضعاف البيئة المستقبلية لاستضافة القواعد والتواجد العسكري الأجنبي.
رابعاً: الاستنتاجات الاستراتيجية الأربعة
استناداً إلى تحليل الحوافز والقدرات الميدانية، يمكن إجمال مآلات هذا الصراع في أربعة استنتاجات رئيسية:
- 1. ضبط إيقاع التصعيد بدلاً من الإغلاق التام: تعتمد طهران استراتيجية التذبذب في الملاحة البحرية (عبر رفع وتيرة استهداف الناقلات ثم تخفيضها)، بهدف إرباك الأسعار العالمية وإثبات القدرة على تعطيل الممر دون تحمّل التكلفة الباهظة لإغلاقه الكامل، ورداً على المحاولات البديلة لتمرير الشحنات النفطية.
- 2. نقل المعركة إلى خطوط البدائل والمسارات الموازية: مع إدراك الأطراف أن جزءاً من الصادرات النفطية يتجاوز المضيق عبر خطوط الأنابيب البرية، يتجه التركيز العسكري والميداني نحو تعطيل هذه البدائل (مثل خطوط الأنابيب والمضايق المجاورة كباب المندب)، مما يرفع درجة المخاطر على الدول المستوردة للغاز والنفط، ويدفع القوى الكبرى (مثل الصين) ودول المنطقة للتوسع في قنوات الدبلوماسية الوقائية والوساطة الخلفية.
- 3. نافذة المخاطر العالية (الفترة الانتقالية): تُمثل المرحلة الفاصلة بين انقضاء الاستحقاقات الانتخابية وتراجع الموارد الاقتصادية لطهران النقطة الأكثر حرجاً؛ حيث يزول القيد الانتخابي المكبل لقرارات واشنطن، بينما تقترب طهران من نقطة حرج اقتصادي قد تُسقط حوافز ضبط النفس وتدفع نحو خيارات أحادية عالية المخاطر.
- 4. التسوية المقايضة وفرض الأمر الواقع: من المرجح أن أي إنهاء لمرحلة الصدمة الحالية لن يبدأ باتفاق شاملاً بل عبر مقايضة تشغيلية (تسهيل الملاحة مقابل تخفيف القيود على الموانئ والصادرات)، بالتوازي مع محاولات طهران مأسسة نفوذها على حركة الملاحة وتحويل الإجراءات المؤقتة إلى مكاسب دائمية على الأرض.
الخلاصة:
تظل المواجهة مع إيران محكومة بـ “توازن الردع المتبادل عبر الرهائن الاقتصادية والأمنية”؛ فلا واشنطن قادرة على إنهاء الملف دون كلفة اقتصادية وسياسية باهظة، ولا طهران في موقع يسمح لها بالانفجار الكامل. وبينما يُستخدم “الانتظار” كأداة لاختبار الصبر ورفع التكلفة، يبقى الخطر الأكبر متمثلاً في سوء التقدير الحسابي لحظة توهم أحد الأطراف أن خصمه أوشك على التراجع أولاً.



إرسال التعليق