الطب و مشكلة اللغة الفرنسية

دكتور حنفي جلاب

في زمن تداخلت فيه الأدوار وشاعت فيه ثقافة الدعاية المباشرة، لم يعد مستغرباً أن نشهد تطفل الأساليب الخطابية والاستعراضية على أكثر المهن رصانة وتخصصاً. وتطرح مقولة “إياك أن تعالج عند طبيب يعرب الوصفة الطبية، لأنه لا يملك كفاءة طبية ويحاول أن يجذب الزبائن باللغة مثلما يفعل السياسيون تماماً” فكرة عميقة تفكك الفارق بين الجوهر العلمي والتعويض الإعلامي البلاغي.

الطب لغة الأثر لا البلاغة

إن الطب، بطبيعته التاريخية والعلمية، ممارسة قائمة على الدقة، والبروتوكولات الشديدة، والنتائج الملموسة؛ فالوصفة الطبية ليست نصاً أدبياً يُقرأ ليستمتع المريض بجماليات اللغة أو دقة الإعراب، بل هي وثيقة تقنية تُترجم سنوات من الدراسة والتشخيص الدقيق. وحين يستبدل الطبيب دقة المصطلحات العالمية المستقرة بلغة الاستعراض أو الدغدغة العاطفية للزبائن، فإنه ينقل الممارسة الطبية من فضاء التشخيص والإنقاذ إلى فضاء “الماركتينغ” واستجداب الجماهير.

الخطورة هنا لا تكمن في حب اللغة أو الاعتزاز بها، بل في استخدام “البلاغة والتزويق” كغطاء أو حيلة لتعويض نقص الخبرة، أو لجذب البسطاء الذين يُبهرهم الشكل على حساب المضمون العلمي المحض.

السياسة والطب: شتان بين الشعبوية والرصانة

يقودنا المقاربة الشديدة بين الطبيب الخطابي والسياسي إلى تشريح الظاهرة الشعبوية؛ فالسياسي كثيراً ما يلجأ إلى الخطابة، وتقديم الوعود المعسولة، واستغلال البلاغة لدغدغة مشاعر الجماهير وكسب أصواتهم دون أن يكون بالضرورة قادراً على تحقيق البرامج على أرض الواقع.

أما في ميدان الطب، فإن هذه المنهجية تشكل خطراً داثراً على صحة الإنسان؛ فالجسد البشري لا يتفاعل مع الفصاحة، والأمراض لا تندحر أمام الفصاحة الشفوية، بل تنصاع فقط للتشخيص الصائب، والجرعة المحددة، والعلاج المجرب. وحين يستعير الطبيب أدوات السياسي، يتبدل هدف الممارسة من شفاء المريض إلى صناعة الشعبيات.

جوهر الكفاءة في الصمت العلمي

إن الكفاءة الحقيقية في كل العلوم، والطب على رأسها، تُقاس بالنجاعة والنتائج لا بجمال النصوص وحجم الاستعراض. فالطبيب المتمكن لا يحتاج إلى استمالة عواطف المرضى بالبلاغة العابرة، لأن سمحته الحقيقية تكمن في دقة تشخيصه وشفاء مرضاه. ويبدو أن الوعي الحقيقي للمتلقي والمريض اليوم يتطلب تمييزاً حصيفاً بين من يمنحه العلم والشفاء، ومن يبيعه الشعار والخواء.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك