“موتى بلا جثث” لابتسام الحسبان: حفريات في سيكولوجيا الفقد وضياع اليقين

اسيا مداني

حين يتخلى الأدب عن ترف الزخرفة اللفظية ليغوص في تشريح النفس الإنسانية، فإنه يتحول إلى مرآة عارية تعكس أزمة الوجود المعاصر بكل تناقضاتها وهزائمها. وفي مجموعتها القصصية الجديدة «موتى بلا جثث» الصادرة عن دار “الآن ناشرون وموزعون” في عمّان (2026)، تقدم الكاتبة الأردنية ابتسام الحسبان عملاً سردياً مكثفاً يقع في 70 صفحة من القطع المتوسط، ويضم 27 ومضة وقصة قصيرة تتشابك فيها خيوط الوجع الإنساني، لتشكل لوحة فنية متكاملة عن الاغتراب وفقدان البوصلة.

أولاً: الموت كاستعارة كبرى.. حين يفقد الوجود معناه

لا تتعامل الحسبان مع “الموت” في سردياتها باعتباره حادثاً بيولوجياً عارضاً أو نهاية حتمية للجسد، بل تتخذه ثيمة مركزية ومظلة واسعة تتسع لتشمل كافة أشكال الانكسار الإنساني. الموت هنا هو:

  • فقدان اليقين: حين تهتز المسلمات التي بنيت عليها الحياة، ويجد الإنسان نفسه تائهاً بلا مرجعية فكرية أو روحية.
  • تلاشي الذاكرة والحب: الموت المعنوي الذي يصيب الروابط البشرية فيتحول الأحياء إلى أشباح تسير بلا غاية، متخبطة بين وهم الحقيقة وحقيقة الوهم.

هذا الثراء التأويلي، كما أشارت الناقدة الدكتورة رزان إبراهيم، يمنح النصوص عمقاً دلالياً يجعل القارئ في حالة اشتباك دائم مع دلالات النص وأبعاده النفسية الخفية.

ثانياً: جماليات التكثيف والمفارقة.. سردية القسوة والدهشة

اتكأت الكاتبة في هذه المجموعة على تقنيات فنية حديثة تليق بروح القصة القصيرة المعاصرة؛ حيث ابتعدت عن الإطناب والترهل، واختارت لغة قصيرة، مكثفة، وحادة تشبه ضربات المشرط الجراحي:

  1. الحوارات المقتضبة: لجأت الحسبان إلى حوارات سريعة ومركزة (كما في قصة “غانيات المدينة”)، كشفت من خلالها عن مناطق معتمة وخبايا نفسية معقدة داخل الشخصيات دون الحاجة لشرح مستفيض.
  2. صدمة المفارقة: اعتمدت بنية العديد من القصص على عنصر “المفارقة” التي تصنع الدهشة والمباغتة في خاتمة النص، تاركة القارئ أمام صدمة شعورية تفتح الباب على تساؤلات وجودية كبرى.

ثالثاً: قراءة نقدية في عتبات “مشنقة”.. عبثية المصير وسخرية القدر

تتجسد عبقرية التكثيف والمفارقة بأجلى صورها في قصة “مشنقة”، حيث ترسم الكاتبة ببرود مقصود وسخرية سوداء مشهد النهاية لرجل اتخذ قراره الأخير:

«لم يتردّد كثيرًا، أزاح الكرسي نحو خطَّاف معلَّق في السقف… علّق الحبل، حشر رأسه الكبير في الحلقة الصغيرة، تأمَّل الحقول الذهبية اللامعة أمامه فدمعت عيناه… في اللحظة التي ضرب بها الكرسي تحته اعتراه الفضول ليعرف ما حوته الورقة الأخرى… لم يحظ بوقت كافٍ ليعرف».

لكن الذروة الفنية تكمن في الخاتمة الصادمة حين يُنظَّف المكان ليُكتشف أن الأوراق المتناثرة كُتبت عليها كلمة واحدة: “أرجوحة”.

هذه المفارقة العبثية تلخص عمق الأزمة النفسية والاغتراب؛ فما ظنه البطل نهاية مأساوية وحسماً قاطعاً، لم يكن سوى التباس مأساوي بين الموت واللهو، أو ربما سخرية قدرية قاسية تُفرغ الفعل الإنساني من معناه الجاد، وتترك المتلقي مذهولاً أمام هشاشة المصير البشري.

رابعاً: خلف المرآة.. مشروع أدبي يتشكل بوعي

تأتي هذه المجموعة لتتويج مسار واعد للكاتبة ابتسام الحسبان، الحاصلة على الماجستير والباحثة في دكتوراه اللغة العربية وآدابها بالجامعة الهاشمية، والتي راكمت تجربة نقدية وإبداعية لافتة من خلال أعمالها السابقة (رواية “سحابة أورت” 2021، ومجموعة “هاوية مشرقة جداً” 2024، وكتاب “تحولات الدلالة اللسانية” 2024). هذا التداخل المحمود بين العدة الأكاديمية والاشتغال الإبداعي يظهر جلياً في وعي اللغة وبنيتها الدلالية في “موتى بلا جثث”.

إن مجموعة “موتى بلا جثث” ليست مجرد سرد لحكايات العابرين، بل هي إدانة أدبية لعصر الاغتراب الذي نعيشه. نجحت ابتسام الحسبان في أن تضع يدها على جرح الوجود الإنساني، مقدمة نصوصاً تقطر شجناً وفكراً، وتؤكد أن الأدب الحقيقي هو الذي يترك في روح قارئه ندبة لا تُمحى وأسئلة لا تنتهي.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك