أغنى ولاية جزائرية
هشام ذيبي
قراءة في المقومات والمكانة الاستراتيجية
عند الانتقال من معيار الثروات الباطنية والمحروقات إلى الثروات الفلاحية والزراعية، يتغير المشهد الاقتصادي تماماً؛ حيث تبرز ولاية تيارت (عاصمة إقليم السرسو) كواحدة من أقوى وأهم الولايات المرشحة وبشدة للقب “أغنى ولاية في الثروة الفلاحية”، نظراً لما تمتلكه من مؤهلات استراتيجية جعلتها تُلقب تاريخياً بـ “خزينة القمح” و”عاصمة السرسو الفلاحية”.
فيما يلي تحليل مفصل لمقومات ولاية تيارت الفلاحية، ومقارنتها بالولايات الفلاحية الكبرى لتحديد مدى استحقاقها لهذا اللقب:
أولاً: مقومات ولاية تيارت في الثروة الفلاحية
تتمتع تيارت بمجموعة من الميزات النسبية الفريدة التي تجعلها عملاقاً زراعياً في الجزائر:
- سهل السرسو الشهير (خزينة الحبوب الوطنية): تضم الولاية سهل السرسو الذي يُعد من أخصب التربة الفلاحية في شمال إفريقيا. وتتصدر تيارت سنوياً المراتب الأولى وطنياً في إنتاج الحبوب (القمح الصلب، القمح اللين، والشعير)، حيث تسهم بنسبة هامة جداً في الأمن الغذائي القومي وفي المخزون الاستراتيجي لديوان الحبوب (CCLS).
- الإنتاج الحيواني وتربية الماشية:
- الأغنام والماشية: تُعتبر تيارت من أكبر الولايات المساهمة في الثروة الحيوانية (رؤوس الأغنام والأبقار والماعز)، وتوفر كميات ضخمة من اللحوم الحمراء والشوربة لمختلف ولايات الوطن.
- خزينة الخيل والفروسية: تحتضن تيارت “مركز شاوشاوة” التاريخي لتربية الخيول، مما يجعلها عاصمة للفروسية ولإنتاج السلالات الأصيلة للخيل العربي والبربري.
- المساحات الشاسعة وتنوع الإنتاج: تمتلك الولاية مساحات زراعية صالحة للزراعة (SAU) تُقدر بـ مئات الآلاف من الهكتارات، إلى جانب توسعها الحديث في زراعة البقول الجافة (الحمص، العدس)، الأشجار المثمرة (كالزيتون والجلجلان)، والزراعات الاستراتيجية تحت نظام الري المكمل.
- السدود والمياه: تضم الولاية سدوداً حيوية (مثل سد بن خدة وسد دحمون) توفر خزيناً مائياً هائلاً يستغل في سقي المساحات الفلاحية وتغذية المائدة المائية.
ثانياً: المنافسة مع الولايات الفلاحية الكبرى
رغم المكانة الريادية لتيارت، إلا أن ترشيحها كـ “أغنى ولاية فلاحية مطلقاً” يصطدم بمنافسة شرسة من ولايات أخرى تمتاز بتنوع أو حجم إنتاج قياسي في شعب معينة:
- ولاية بسكرة (عاصمة الخضروات والمحاصيل المبكرة): تتصدر بسكرة الإنتاج الفلاحي من حيث القيمة المالية والمحاصيل المحمية (البيوت البلاستيكية) وإنتاج أجود أنواع التمور (دجلة نور)، وتُعتبر حالياً الأولى وطنياً في قيمة المساهمة في الناتج المحلي الفلاحي.
- ولاية الوادي (معجزة الزراعة الصحراوية): تُعد الأولى وطنياً في إنتاج الStandard بطاطس، البصل، والمحاصيل المسقية تحت الرش المحوري، حيث أحدثت ثورة في الصادرات الفلاحية.
- ولايات سيدي بلعباس، عين تموشنت، ومستغانم: تتنافس بقوة في إنتاج الحبوب، الحوامض، السلع الكرومية، والخضروات الفواكه.
- ولاية سطيف: منافس رئيسي لتيارت في إنتاج الحبوب والإنتاج الحيواني وإنتاج الحليب.
ثالثاً: التقييم النهائي: هل تيارت هي الأغنى؟
- في شعبة الحبوب والاستراتيجيات الغذائية: نعم، تيارت هي الأغنى بلا منازع؛ فهي قلعة القمح والإنتاج الرعوي التقليدي وتعتبر الشريان الأساسي للأمن الغذائي القومي في المادة الاستراتيجية الأولى (القمح).
- في القيمة المالية الشاملة للإنتاج الفلاحي: تأتي تيارت ضمن المربع الذهبي (Top 4) لأغنى الولايات الفلاحية في الجزائر إلى جانب بسكرة، الوادي، وسائلي الولايات الرائدة؛ حيث متياز بسكرة والوادي يكمن في قيمة المحاصيل السريعة ذات المردود المالي العالي (كالتمور والخضروات المبكرة)، بينما امتياز تيارت يكمن في الوزن الاستراتيجي للحبوب والثروة الحيوانية.
إذا كان المقياس هو الأمن الغذائي الاستراتيجي والاستقرار الفلاحي الدائم، فإن ولاية تيارت تستحق بجدارة ترشيحها كأغنى ولاية فلاحية في الجزائر. إنها “سلة القمح” التي طالما أطعمت الجزائر عبر المحطات التاريخية، وتظل أراضيها المعطاءة في سهل السرسو ركيزة لا غنى عنها لاقتصاد فلاحي وطني متين.



إرسال التعليق