عروش وقبائل مستغانم والظهرة: جغرافيا البحر والسهول وتاريخ المقاومة والولاية

تُعد ولاية مستغانم وإقليم الظهرة المترامي الأطراف (الذي يمتد عبر أجزاء من ولايات مستغانم، الشلف، وعين الدفلى) منطقة ذات ثقل تاريخي وجغرافي وثقافي هائل في الغرب الجزائري. ينفرد هذا الإقليم بمزيج ساحر يربط بين الساحل البحري، وسلسلة جبال الظهرة الوعرة، وسهول الحَبْرة والمقاطعة والخروبة الخصبة، مما أثمر نسيجاً اجتماعياً وعروشياً عريقاً جمع بين ثقافة البحر، والاستقرار الفلاحي الجبلي، وبطولات المقاومة والولاء الديني.

احتضنت مستغانم والظهرة محطات تاريخية فارقة؛ من العهد الزياني والعثماني إلى احتضان الطرق الصوفية (كالطريقة العلاوية والإدريسية)، وكان لعروشها وبطولاتها حضور مشهود في مبايعة الأمير عبد القادر والوقوف معه، إلى جانب اندلاع مقاومات شعبية عارمة كـ مقاومة بومعزة في قلب الظهرة، وصولاً إلى الدور المحوري لمجاهدة المنطقة إبان ثورة التحرير المظفرة.

فيما يلي مقال مفصل يستعرض أبرز القبائل والأعراش التي تتشكل منها منطقتا مستغانم والظهرة:

أولاً: كبرى أعراش وقبائل ولاية مستغانم

تتنوع التركيبة العروشية لمستغانم بين القبائل العربية الهلالية والمعقلية القديمة، الأسر الأندلسية والكرغلية، والقبائل المرابطية الشريفة:

1. عرش مجاهر (المجاهرية – مجاهر مستغانم)

  • المجال الجغرافي: يعتبر العرش الأكبر والأكثر انتشاراً في ولاية مستغانم، حيث يتوزع أبناؤه على بلديات ودوائر متعددة مثل عين تادلس، حاسي ماماش، ماسرة، وسور.
  • الخصائص: عرش هلالي معقلي تاريخي ضخم، اشتهر أفراده منذ القدم بالفروسية وتربية الخيل والزراعة في سهول المقاطعة والخروبة. يُعرفون بالشهامة والكرم، وكان لفرسان مجاهر دور أساسي في معارك تحرير الثغور والمقاومة الوطنية.

2. عرش بني زروال

  • المجال الجغرافي: يتمركزون في الناحية الشرقية والشمالية الشرقية للولاية، ولا سيما في مناطق سيدي علي، عشعاشة، وخضرة على مشارف إقليم الظهرة.
  • الخصائص: من القبائل الاستقرارية العريقة، وتجمع أصولهم بين الجذور الزناتية القديمة والأندلسية. اشتهر أهل بني زروال بفلاحة الأشجار المثمرة والكروم، ولهم زوايا علمية ودينية تحافظ على التراث الصوفي والمخطوطات.

3. عرش أولاد بورأس

  • المجال الجغرافي: ينتشرون في المناطق القريبة من عين تادلس وعين بودينار وسيدي بلعطار.
  • الخصائص: عرش فلاحي ارتبط اسمه بالزراعة المطرية والأنعام، ويمتاز أبناؤه بالترابط الاجتماعي القوي وإقامة المواسم الشعبية (“الوعدات”) التي تجمع فرسان المنطقة.

4. العائلات والبيوتات الأندلسية والكرغلية (مدينة مستغانم العتيقة)

  • المجال الجغرافي: الأحياء التاريخية لمدينة مستغانم، مثل حي “التجديت”، “العرصة”، و”المطمر”.
  • الخصائص: تشكل هذا النسيج الحضري من العائلات التي هاجرت من الأندلس بعد السقوط، والعائلات ذات الأصول العثمانية والكرغلية. تميزوا بالحرف اليدوية الدقيقة، والنمط المعماري المتميز، ونقل ألوان الموسيقى الشعبي والأندلسي والشعر الملحون (مثل الشيخ لخضر بن خلوف).

5. البيوتات الشريفة والمرابطية (أولاد سيدي عفيف، سيدي يحيى، وسيدي سعيد)

  • المجال الجغرافي: تتوزع على مختلف بلديات مستغانم (كالطواهرية وعين النويصي).
  • الخصائص: ينتمون للأدارسة والمرابطين الذين أقاموا الكتاتيب والزوايا لنشر تحفيظ القرآن الكريم والعلوم الشرعية، وحظوا باحترام وتوقير كبيرين من كافة العروش المجاورة.

ثانياً: كبرى أعراش وقبائل إقليم الظهرة

يُعد إقليم الظهرة سلسلة جبلية وساحلية وعرة تمتد شرق مستغانم وتشمل أجزاء واسعة من ولاية الشلف (مثل تنس، سيدي عكاشة، وبوقادير) ووصولاً لعين الدفلى. اتسمت أعراش الظهرة بالطابع الجبلي المنيع والتمسك بالحريات والأنفة:

1. عرش بني حوا وبني زياد

  • المجال الجغرافي: الشريط الساحلي والجبال المتاخمة لمنطقة بني حواء وتنس (على الحدود بين مستغانم والشلف).
  • الخصائص: من أقدم سكان الظهرة الساحلية، عرفوا بالصيد البحري والزراعة الجبلية، واستغلال الشعاب والغابات.

2. عرش بني راشد وبني سليمان (ظهرة الشلف ومستغانم)

  • المجال الجغرافي: المرتفعات الجبلية الداجلية للظهرة الممتدة من عشعاشة إلى سيدي امحمد بن علي وما جوارها.
  • الخصائص: قبائل زناتية بربرية استعربت عبر العصور، واشتهرت بالتحصن الجبلي ورفض الخضوع لأي سلطة استعمارية. تُعد منطقتهم المسرح الرئيسي لثورة الشريف بومعزة عام 1845، حيث خاضوا معارك طاحنة وضاربة ضد جنرالات الجيش الفرنسي.

3. عرش أولاد زيان وأولاد خلوف

  • المجال الجغرافي: التخوم الجنوبية لسلسلة الظهرة المطلة على شلف وادي الشلف وسهل الغريس المتاخم.
  • الخصائص: عروش جمعت بين نمط الرعي في السهول والاستقرار في سفوح الجبال، وعُرِفت بالفروسية وتربية المواشي وتقديم الدعم والتموين للمقاومين.

4. عرش الزرائفة وأولاد يحيى

  • المجال الجغرافي: جبال الظهرة الأوسط ومناطق مازونة وسيدي امحمد بن علي.
  • الخصائص: ارتبط حضورهم التاريخي بالحاضرة العلمية مازونة (عاصمة بيت المال والعلوم في العهد العثماني)، حيث خرج من هذه الأعراش علماء وفقهاء وقضاة بارزون أثروا الفقه المالكي في الجزائر المغاربية.

ثالثاً: الملامح الثقافية والتاريخية المشتركة للمنطقة

تنصهر أعراش مستغانم والظهرة في هوية ثقافية واجتماعية ذات خصائص فريدة، من أبرزها:

  1. مدرسة الشعر الملحون والتصوف: تُعتبر مستغانم والظهرة قلعة الشعر الملحون في المغرب العربي؛ بفضل الشاعر والشريف سيدي لخضر بن خلوف (مداح النبي عليه الصلاة والسلام)، الذي خلد بصلابة معارك الظهرة ومستغانم ضد الإسبان (مثل معركة مزغران 1558).
  2. الزوايا والطرق الصوفية: انتشرت في الظهرة ومستغانم زوايا علمية تاريخية (مثل الزاوية العلاوية، الزاوية البوزيدية، وزاوية سيدي امحمد بن علي)؛ لعبت دوراً حاسماً في محو الأمية، الحفاظ على الهوية العربية الإسلامية، وإصلاح ذات البين بين القبائل.
  3. مغارات الظهرة ومأساة المحارق الاستعمارية: شهدت جبال الظهرة إحدى أبشع الجرائم الاستعمارية الفرنسية (محرقة أولاد رياح عام 1845 على يد الجنرال بيليسييه)، حيث خُنق وبِيدَ عرش كامل داخل الكهوف، مما يشهد على التضحيات الخالدة لأبناء هذه الأعراش في سبيل كرامتهم وأرضهم.
  4. وعود الفروسية والبحر: يتجلى هذا التناغم في احتفالات “الوعدات” الموسمية، حيث تجتمع عروش مجاهر، وبني زروال، وأعراش الظهرة في استعراضات بارود وفروسية مبهرة عند أضرحة الأولياء الصالحين وعلى سواحل البحر المتوسط.

إن أعراش وقبائل مستغانم والظهرة تشكل نسيجاً متكاملاً يجسد معادلة الشرف والتاريخ؛ حيث تلتقي ثقافة البحر المفتوح على العالم بصلابة جبال الظهرة المنيعة، لتظل هذه المنطقة وعروشها صرحاً حامياً للتراث والفروسية والهوية الوطنية الجزائرية الضاربة في أعماق التاريخ.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك