صرخة من تحت الرماد: غزة التي تحترق وحدها، والدور قادم على الجميع

ليس ما يحدث في قطاع غزة اليوم مجرد جولة عابرة من القتال، ولا فصلاً معزولاً في كتاب مأساة طال عهدها؛ إنه مخاض عسير لإعادة صياغة قواعد السيطرة والهيمنة في المنطقة بأسرها. إنها محطة فاصلة يُراد من خلالها تطبيع الضمير الإنساني والعالمي مع أفظع جرائم العصر، لتصبح الإبادة والتجويع المنهجي مشاهد يومية معتادة.

كسر الخطوط الحمراء: عندما يصبح الموت عرفاً

حين تقف البشرية جمعاء أمام طفل يموت جوعاً، وعائلات تُباد بأكملها تحت مرأى ومسمع الشاشات، ويتحول الحصار والتجويع إلى أسلحة حرب معلنة دون أن تحرك القوانين الدولية ساكناً، فإن الخطوط الحمراء كلها تسقط. إن هذا التمادي في كسر كل محظور إنساني وأخلاقي أمام مرأى العالم سيصبح غداً “العرف السائد” والوسيلة المقبولة لتركيع الجميع. ما يحدث في غزة اليوم هو سابقة خطيرة تختبر مدى قدرة العالم على الصمت، وتمهد الطريق لتكرار النموذج في كل مكان تنتفي فيه مناعة الرفض.

تآكل الأمن القومي وخذلان الصمود

إن خذلان جبهة الصمود الأولى في غزة، والتفرج البارد على معاناتها وهي تواجه آلة الدمار وحدها، ليس مجرد حياد سياسي؛ بل هو نحر بطيء للأمن القومي لكل دولة تتفرج. حين يُترك المستعمر يصول ويجول بلا ردع حقيقي، فإن شهيته للتمدد والابتلاع لا توقفها حدود جغرافية ولا اتفاقيات مهترئة. إن التستر خلف أسوار الصمت والحياد الوهمي يمنح الغاة صكاً مفتوحاً للعبث بمقدرات الأمة واستباحة سيادتها يوماً بعد يوم.

وهم النجاة في زمن العاصفة

من يظن اليوم أنه في مأمن لمجرد صمته، أو لأنه اختار النأي بالنفس، يرتكب الخطيئة الكبرى بحق مستقبله. سيجد المتفرجون أنفسهم فجأة في قلب العاصفة، وحيدين بلا ظهير ولا سند، حين يلتهم النار ما تبقى من الجدران.

الدور قادم على الجميع بلا استثناء، فوحشية المستعمر لا توقفها الوعود ولا تحيدها التنازلات. إن استفاقة المتفرجين، وكسر صمت الخذلان، والوقوف بحق في وجه هذا التغول هي أولى خطوات النجاة، فإما أن نقف معاً على خط الدفاع الأول عن الإنسانية والكرامة، أو ننتظر فرادى دورنا في طابور الموت والخراب.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك