عندما تطفئ امرأة أنوار الكون في عين الرجل

راضية علام

في الأدب الإنساني العميق، غالباً ما تتجاوز العلاقة بين الرجل والمرأة حدود الوصل الجسدي أو المألوف الاجتماعي، لتلامس تخوم الفلسفة والوجود. وحين نأتي إلى عبارة الأديب الفلسطيني الاستثنائي غسان كنفاني: “لا شيء يطفئ أنوار الكون في عين الرجل كرحيل امرأة.. كان يعتبرها أرضه وسماؤه وكونه”، فإننا لا نكون أمام مجرد توصية رومانسية عابرة، بل نحن أمام تشريح دقيق لقصة “اكتفاء وجداني” تبلغ حد التلاشي المطلق.

1. جغرافية الحضور: المرأة كـ “أرض وسماء”

لا يرى الرجل في المرأة التي يحبها كائناً خارجياً يشاركه تفاصيل أيامه فحسب، بل يحيلها في خياله ووجدانه إلى “وطن متكامل”.

  • الأرض: هي الثبات، الجذور، الشعور بالأمان والاستقرار، والملجأ الذي يلوذ إليه كلما اشتدت عليه عواصف الحياة الخارجية وقسوتها.
  • السماء: هي الأفق المفتوح، الحلم، الطموح، والمساحة الرحبة التي تمنحه القدرة على التنفس والتحليق بعيداً عن ضيق الواقع.

حين تصبح امرأة واحدة هي “الكون” بأسره، فإن الرجل يعيد هندسة عالمه بأسره حول محور وجودها. تفقد الأماكن الأخرى معناها، وتصبح التفاصيل الصغيرة التي جمعتهما هي المعيار الوحيد لجمال العالم أو قبحه.

2. مفاجأة الفقد: كيف ينطفئ الكون؟

الكون بطبيعته شاسع ومضيء بالنجوم والشمس، لكنه بالنسبة لرجل أُسْر تماماً بحب عميق، يرتكز نوره كله على وجود شريكة عمره. ولذلك، يأتي “الرحيل” ليمثل الزلزال الوحيد القادر على إحداث عتمة كاملة.

عندما ترحل تلك المرأة، لا يفقد الرجل شخصاً أحبه فحسب، بل يفقد الإحداثيات التي كان يعرف بها مكانه في هذا العالم:

  • تنحسر الأرض من تحت قدميه فيشعر بالتيه المستمر.
  • تنهار السماء فوق رأسه لتختفي معها كل آفاق الأمل والسكينة.
  • لا تصبح الظلمة هنا مجرد غياب بصري، بل هي “انطفاء داخلي” يبدو جلياً في عيني رجل خسر معالم عالمه دفعة واحدة.

3. بؤس الوجود بلا بوصلة

يعكس تعبير غسان كنفاني مدى هشاشة الوجود الإنساني حين يتعلق بكل طاقته العاطفية بوجود شخص آخر. تصبح الحياة بعد الفقد مساحة صامتة وباردة، أشبه بليل سرمدي لا شمس فيه ولا قمر. إنها حالة من العزلة الشعورية العميقة التي تجعل الرجل غريباً حتى عن نفسه، لأن الجزء الأكبر والأجمل من هويته قد رحل مع تلك المرأة.

ليست عبارة غسان كنفاني مبالغة شعرية، بل هي قراءة فاحصة لعمق التعلق البشري حين يبلغ ذروته. إن رحيل المرأة التي تمثل “الكون” لا يترك فراغاً عادياً، بل يخلف دماراً شاملاً يعيد تشكيل نظرة الرجل إلى الحياة، ليظل طوال عمره يحاول عبثاً أن يعيد إشعال شمعة واحدة في كون أطفأته امرأة واحدة برحيلها.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك