يحكى أن ……(3) جاء ليسرقنا فسرقناه!
يحكى أن ……(3) جاء ليسرقنا فسرقناه!
جاء ليسرقنا فسرقناه!
محمد عبد الكريم يوسف
قصة وعبرة للشباب في عصر الذكاء الاصطناعي
يُروى عن السَّرِيّ بن مُغَلِّس السَّقَطي أنَّ لصًّا دخل بيت مالك بن دينار، فبحث في أركان البيت، وقلّب في زواياه، فما وجد شيئًا يُسرق. لا مالًا، ولا ذهبًا، ولا متاعًا. فجاء ليخرج، وإذا بمالك يناديه بصوت هادئ:
— سلام عليكم.
فقال اللص، وقد ارتبك:
— وعليكم السلام.
قال مالك:
— ما حصل لكم شيء من الدنيا، فترغب في شيء من الآخرة؟
قال اللص:
— نعم.
قال مالك:
— توضأ من هذا المِرْكَن، وصلِّ ركعتين، واستغفر الله.
ففعل الرجل. وما إن سجد حتى شعر أن شيئًا في قلبه قد انكسر، وأن نورًا خفيفًا تسلل إلى روحه. ثم قال:
— يا سيدي، أجلس إلى الصبح؟
قال مالك:
— اجلس.
فلما خرج مالك إلى المسجد، نظر أصحابه إلى رجل غريب يمشي معه، فسألوه:
— من هذا معك؟
فقال مالك بابتسامة الواثق:
— جاء يسرقنا، فسرقناه.
لم يسرقوه مالًا، ولا متاعًا، بل سرقوا قلبه من الشيطان، وعقله من الغفلة، وروحه من الضياع.
دروس وعبر للشباب في عصر الذكاء الاصطناعي
1-لا تقابل الإساءة بالإساءة
لو شاء مالك أن يصرخ، أو يفضح، أو يطرد، لفعل. لكنه قابل الجريمة بالرحمة، والشر بالخير.
وفي عصرنا: قد يدخل عليك من يسرق فكرتك، أو يشتمك في تعليق، أو ينشر عنك كذبًا.
فلا ترد السب بالسب، ولا الكذب بالكذب.
اربح القلب، فإن ربح القلب خير من ربح المعركة.
2-البيوت لا تُقاس بما فيها من مال، بل بما فيها من نور
بيت مالك كان خاليًا من الدنيا، لكنه كان عامرًا بالذكر والقرآن والصلاح.
وكثير من الشباب اليوم بيوتهم مليئة بالأجهزة، فارغة من السكينة.
فاسأل نفسك:
هل بيتك — قلبك وعقلك ووقتك — عامرٌ بما ينفع، أم مليءٌ بما يسرق؟
3- في العصر الرقمي، اللصوص لا يدخلون من الباب
قد لا يسرقك أحد مالك، لكن هناك من يسرق:
- وقتك بالتطبيقات.
- انتباهك بالخوارزميات.
- بياناتك بالاحتيال.
- قيمك بالمحتوى الفاسد.
- طموحك بالترفيه الدائم.
فاحرس بيتك الرقمي كما يحرس مالك بيته.
لا تفتح كل باب، ولا تضغط كل رابط، ولا تصدق كل رسالة.
4- إذا دخل اللص، فليخرج وقد تغيّر
مالك لم يكتفِ بأن اللص خرج سالمًا، بل أراد أن يخرج مهتديًا.
وهذا هو الذكاء الحقيقي: أن تحوّل الخصم إلى صديق، والجاهل إلى طالب، والغافل إلى ذاكر.
استخدم ذكاءك — الطبيعي والاصطناعي — في الدعوة، والتعليم، والإصلاح، لا في التشهير والانتقام.
5-املأ قلبك بالآخرة، فلا يجد اللص ما يسرقه
لو كان بيت مالك مليئًا بالمال، لسرق اللص وذهب.
لكنه وجد قلبًا عامرًا، فسرق اللصُ الهدايةَ بدل أن يسرق المتاع.
فاملأ قلبك بالإيمان، والعلم، والهدف، وحب الخير.
عندها لن يجد من يدخل إليك إلا وقد خرج بأفضل مما دخل.
6-الكلمة الطيبة أقوى من السلاح
مالك قال: «سلام عليكم».
كلمتان بسيطتان فتحتا بابًا للهداية.
وفي الإنترنت، كلمة واحدة قد تكسر إنسانًا، وكلمة واحدة قد تنقذ إنسانًا.
فاختر كلماتك كما تختار أكوادك:
إن أخطأت فيها، قد لا تنفع إعادة التشغيل.
7-لا تحتقر من جاء ليأخذ منك
قد يكون وراء السرقة حاجة، ووراء الإساءة ألم، ووراء العدوان جهل.
الناس لا يحتاجون دائمًا إلى عقاب، بل إلى من يأخذ بأيديهم.
كن كمالك: حكيمًا، هادئًا، رحيمًا، قويًا بالله.
8- اسرق من اللصوص ما سرقوه منك
إن سرقت منك الخوارزميات انتباهك، فاسرق منه وقتك للعلم والعبادة.
وإن سرقت منك التطبيقات ساعاتك، فاسرق منها دقائق للقرآن.
وإن سرق منك الناس ثقتك، فاسرقها من جديد بالتوكل على الله.
كن أنت الأقوى: لا تُسرق، بل تَسرِق من الباطل أهله.
خاتمة
يا شباب عصر الذكاء الاصطناعي،
قد يدخل عليكم من يسرق أموالكم، أو بياناتكم، أو أفكاركم، أو أوقاتكم.
فلا تقابلوهم بالغضب فقط، بل قابلوا بعضهم بالحكمة، وبعضهم بالحدود، وبعضهم بالدعوة.
واسألوا أنفسكم دائمًا:
ماذا لو دخل لصٌّ إلى بيتي؟
هل يجد مالًا فيسرقه؟
أم يجد قلبًا عامرًا فيسرقه الخير مني؟
واجعلوا شعاركم:
«جاء يسرقنا، فسرقناه»
لا بالمثل السيّئ، بل بمعناه الجميل:
سرقنا قلبه من الغفلة، وعقله من الضلال، وروحه من الشيطان.
فكانت السرقة أعظم ربح، والخسارة أعظم هداية.



إرسال التعليق