جارتي سيدة سمعتها سيئة.. فضيحة في العمارة رقم 7
في العمارة التي أقطن فيها، لا داعي لشراء أجهزة التلفاز المتطورة أو الاشتراط في منصات البث المدفوعة؛ فالدراما متوفرة مجاناً في بيت السلم، والمخرج والمؤلف والمشاهدون هم الجيران أنفسهم. أما القصة الأكثر تداولاً والتي تشغل المجلس الأعلى للحكايات في العمارة (المكون من خالتك فاطمة وطاقم الاستخبارات المكون من نساء الطابق الثاني)، فهي القصة الملحمية التي تحمل عنواناً عريضاً: “جارتي سيدة سمعتها سيئة”.
محكمة التفتيش في الطابق الثالث
بدأت الفضيحة المزعومة حين انتقلت الجارة الجديدة للعيش في الشقة المجاورة. امرأة بسيطة، لا تحب الثرثرة، وتدخل شقتها بهدوء دون أن تُلقي خطبة العصماء اليومية عن أسعار الخضار في السوق. وهذا في عرف العمارة ليس مجرد “هدوء”، بل هو دليل إدانة قاطع ومؤشر خطير على وجود “سير حبكة” مشبوهة!
تولّت الخالة “أم أحمد” ملف التحقيق الإستراتيجي، وأصدرت حكمها الأولي المبرم قبل أن تتعرف حتى على اسم الجارة الجديدة: “امرأة لا تتحدث معنا؟ إذن سمعتها سيئة!”. وهكذا، أصبحت سمعة المسكينة موضوع بحث وتحليل أكثر تعقيداً من النظريات الفيزيائية.
تفاصيل “الفضيحة” العظمى
إذا أردت أن تعرف كيف تصبح سمعتك سيئة في حيّنا، فإليك الكتالوج الساخر للجرائم التي ارتكبتها الجارة العزيزة:
- الخروج في أوقات مريبة: تخرج الجارة في تمام الساعة السابعة صباحاً لتلتحق بمركز عملها، وتعود في الرابعة عصراً. لكن بالنسبة لغرفة عمليات العمارة، فإن الخروج في السابعة صباحاً هو محاولة للتخفي، والعودة في الرابعة هي تغطية على نشاطات مجهولة!
- استلام الطرود: وصلت لها مرة طلبيتان من التوصيل السريع في أسبوع واحد. اعتبر المحللون أن الطرود المغلّفة تحتوي حتماً على “رسائل سرية” أو “مؤامرات لقلب نظام السلم”.
- عدم إفشاء الأسرار: لم تخبر الجارة أحداً كم تقبض من مرتب، ولماذا لم تتزوج حتى الآن، وما هي صلتها بعمتها. هذا الصمت التام يُعد في قاموس العمارة جريمة “حجب معلومات عن الرأي العام”.
الفضيحة الحقيقية: من السيئ حقاً؟
المضحك المبكي في هذه الدراما العمارية، أن “صاحبة السمعة السيئة” هي الوحيدة التي تسدد اشتراك النظافة في وقته، ولا تضع قمامتها أمام باب الجيران، ولا تصدر أصواتاً صاخبة في منتصف الليل. بينما “حراس الفضيلة” الذين يقضون يومهم في تشريح سمعتها، هم أنفسهم من يملؤون السلم بالشجارات، ويرمون المياه من الشرفات على المارة!
في النهاية، اكتشفتُ أن مصطلح “سيدة سمعتها سيئة” في مجتمع العمارة المصغر لا يعني سوى شيء واحد: امرأة قررت أن تعيش حياتها بسلام، ودون أن تمنح الجيران حق الوصاية على تفاصيلها. فسلامٌ على جارتي العزيزة، وسلامٌ على “سمعتها” التي لا تؤذي أحداً سوى الفضوليين!



إرسال التعليق