أصل و فروع عرش قبيلة “بني غدّو” في الغرب الجزائري

الدكتور علي بوجابر

حين نتأمل جغرافية الغرب الجزائري، فإننا لا نكتفي بقطع مسافات بين ولايات وبلديات، بل نعبر طبقات متداخلة من التاريخ البشري، والنزوح، والتجذر. ومن بين هذه المحطات العريقة التي تستحق الوقوف عندها، يبرز عرش “بني غدّو” (أو بني غدّو)؛ تلك القبيلة الأمازيغية الأصيلة التي تشكل بامتثالها لتقلبات التاريخ نموذجاً حياً لصراع البقاء، والتحول من الترحال إلى الاستقرار، ومن مجد الإمارة إلى عمق الجذور الفلاحية والروحية.

الموطن الجغرافي والامتداد: مثلث بين ثلاث ولايات

تمتد رقعة عرش بني غدّو جغرافياً لتشكل جسراً حياً يربط بين ثلاث ولايات في الغرب الجزائري، وهي: بوقيراط في ولاية مستغانم، سيدي سعادة في ولااية غليزان، والغمري في ولاية معسكر.

وتتحدد هذه الرقعة جغرافياً بدقة عبر معالم طبيعية وبشرية راسخة:

  • شمالاً: قبيلة أولاد سيدي عبد الله (مجاهر) وأولاد حمدان.
  • شرقاً: وادي يلّل التاريخي (الذي يفصلها عن قبيلة عكرمة والمجاهر).
  • جنوباً: إقليم القلعة والسمّار.
  • غرباً: برجيّة وسجرارة بسهل سيرات.

الأصل والنسب: من بطون زناتة إلى صراع “البطحاء”

يعود النسب التاريخي لبني غدّو إلى جذور أمازيغية عريقة؛ فهم ينحدرون من بطون قبيلة بني توجين البربرية (الزناتية)، وتحديداً من قبائل بني بادين في المغرب الأوسط. وكانت إمارة بني توجين تمثل قوة ضاربة في منطقة الونشريس، حيث لعبت أدواراً سياسية وعسكرية بارزة ونافست الدولة الزيانية في تلمسان على المُلك خلال القرنين السابع والثامن الهجريين.

وتشير الوثائق التاريخية القديمة التي خطها “الطلبة” (الفقهاء) في زاوية سيدي سعادة إلى محطة مفصلية في تاريخهم؛ إذ استقر بنو غدّو لفترة طويلة في مدينة تاريخية تُدعى “البطحاء” (المعروفة بـ المطمر حالياً، الواقعة بين غليزان ويلل). غير أنه في حدود عام 1366م، نشب صراع مرير بينهم وبين قبيلة سويد (من عرب زغبة الهلالية) التي انتزعت منهم أراضي البطحاء. هذا النزوح القسري أجبر بني غدّو على الهجرة غرباً والاستقرار على حواف وادي يلّل. هناك، قرروا طي صفحة الترحال الدائم، حيث كان الأهالي قديماً ينصبون خيامهم (يغدون ويروحون)، فاستقروا وأسسوا بيوتهم وقراهم الثابتة.

انقسام العرش وتأسيس الفروع

خلال حقبة الاستقرار وتأسيساً للروابط العشائرية، تقاسم رئاسة القبيلة أخوان هما فارس وبوحلوان، واللذان انحدرت من صلبهما الفروع الكبرى للعرش اليوم، والتي أُقرت رسمياً لاحقاً وفق مرسوم التحديد الإداري (Sénatus-Consulte) الصادر في 22 مارس 1863:

  • فرع بوحلوان: وانحدرت منه فرق أولاد عمار (بالغمري)، والعويسات (أولاد عيسى)، وأولاد يعلى (بسيدي سعادة)، ودوار أولاد عمر.
  • فرع فارس: وانحدرت منه فرق السبابنة (بالغمري)، وأولاد بوغني (بسيدي سعادة)، وأولاد عامر، إضافة إلى فروع أخرى كأولاد أوعلي، الحجاجرة، الغنايسية، والهدّارة (دوار الدهّاوة).

المحطة التاريخية والرمز الروحي

على الصعيد الروحي، يُعد المرابط شيخ سعادة (الدفين في المنطقة) الرمز التاريخي والروحي الجامع لقبيلة بني غدّو، والذي تمنح زاويته وتراثه بُعداً هوياتياً للمنطقة.

أما سياسياً وعسكرياً، فقد عاش العرش تحولات كبرى؛ فخلال العهد العثماني، صُنِف بنو غدّو ضمن قبائل “الرعية” لا “المخزن”. ومع اندلاع المقاومة الشعبية الكبرى بقيادة الأمير عبد القادر الجزائري، لم تتخلف القبيلة عن تلبية النداء، حيث شكل مشاة قبيلة بني غدو رافداً أساسياً ضمن صفوف المشاة المنظّمين التابعين لدولة الأمير، مسجلين بذلك صفحة مضيئة من النضال ضد الاحتلال.

إن قبيلة بني غدّو ليست مجرد تقسيم إداري جغرافياً، بل هي حكاية متكاملة لصمود الإنسان الأمازيغي في وجه تقلبات الزمن، ومثابرة جماعة دَوّنت تاريخها بحبر الأرض والولاء للوطن.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك