صدى الظلال التي لم تكتمل
لمياء فؤاد
الفصل الأول: على حافة التوقيت الخطأ
كان المطر يخبط بانتظام رتيب على زجاج المقهى المطل على شارع باريسي ضيق، يفوح منه عبق البن المحمص وذاكرة الخريف. جلست هناك، تطوي بين أصابعها منديلاً ورقياً عتيقاً، بينما كانت عيناها المعلقتان على الباب تنتظران شيئاً تعلم يقيناً أنه لن يأتي.
بينها وبينه، لم يكن يمنع الوصل جفاء، ولا نقص في الشعور، ولا حتى اختلاف في المبادئ؛ كان هناك فقط ذلك العدو الخفي الأبدي: “التوقيت”. ذلك الميزان الإلهي القاسي الذي يضع المرء أمام الشخص المناسب، في المكان المناسب، لكن في العصر الخطأ من حياة كل منهما.
تذكرت ليلتهما الأخيرة بوضوح جارح. حين جلس قبالتها، وتحديداً في تلك اللحظة التي تسبق الوداع الأخير، حين تكسرت الحواجز المصطنعة ولم يتبقَ سوى العري الروحي الصادق. قال لها يومها بصوت شابه رجفة خفيفة لم تطمس وقار نبرته:
“إن لم نتحدث ثانيةً أبداً… أحب أن أعتقد أنكِ يوماً ما ستنظرين إلى ماضينا بمحبة، وتتذكرينني كرجلٍ لم يخَف أن يرى مستقبله في صورةٍ واحدةٍ تجمعنا.”
استرجعت تلك الكلمات، وكيف كانت تسقط على قلبها كقطرات ندى باردة على أرض محرقة. لقد كان شجاعاً بالقدر الذي جعل أي امرأة أخرى تفر منه هلعاً؛ فلم يتردد في أن يعلن، بلا تراميز أو مواربة، أن خريطة أيامه ومستقبله لا تستقيم في نظره إلا إن وُجدت صورتها في مركزها. لكن الشجاعة وحدها لا تكفي لصنع حياة، ولا لترميم الجسور التي هدمتها رياح الظروف المعاكسة والالتزامات الثقيلة التي طوقتهما معاً.
الفصل الثاني: ميزان العطاء الناقص
راحت تقلب صفحات الذاكرة، مأخوذة بتناقضات العاطفة البشرية. هل أحبها؟ نعم، بكل خلايا كيانه، وبأقصى ما تتيحه طاقة رجل مثقل بندوب أيامه السابقة. لكن العشق، في كثير من الأحيان، لا يأتي على صورة القالب الذي نرسمه في مخيلتنا.
“أحب أن أعتقد أنكِ ستتذكرينني كرجلٍ أحبكِ بكل ما استطاع… حتى وإن لم يكن دائماً بالطريقة التي أردتِها، أو بالقدر الذي احتجتِه.”
كم تنهدت وهي تعيد ترديد تلك العبارة في سرها. تذكرت كيف كانت تتوق إلى الكلمات المنسابة بطلاقة، والاهتمام المعياري المألوف، بينما كان هو يعبر عن حبه بالطريقة الوحيدة التي عرفها؛ طريقة المحارب المتعب الذي يجلب غنائمه بصمت، لا بالقصائد. كان يحارب من أجلها على طريقته الخاصة، يقف سداً منيعاً بوجه عواصفه الداخلية لكي لا تلسعها، لكنه في خضم تلك المعركة الدائمة، ربما أغفل تفاصيل صغيرة كانت تحتاتها لترتوي.
لقد أحبها بكل ما استطاع، نعم. لكن “الاستطاعة” البشرية أحياناً تكون فقيرة، شاحبة أمام جشع الاحتياجات العاطفية البريئة. ومع ذلك، وبعيداً عن خيبات التفاصيل الصغيرة، كانت أعمق زوايا قلبها تدرك أن نقاء قصصده كان أطهر من أن يُشاع في مهب التجريح.
الفصل الثالث: أوهام “لو” الخالدة
على الطاولة المقابلة، ترك طيفه ظلاً خفيفاً فوق كوب الشاي البارد. سألت نفسها للمرة الألف: ماذا لو؟
لو التقيَا قبل عشر سنوات، حين كانت أرواحهما بيضاء وخالية من أثقال التجارب المهشمة؟ لو لم تكن تفرقهما مسافات الجغرافيا وقسوة المواعيد المعلقة؟
أجابها صدى صوته الداخلي، وكأنه يجلس أمامها الآن يقرأ أفكارها المبعثرة:
“أحب أن أعتقد أنكِ ستتذكرينني كرجلٍ كان يمكن أن تقضي حياتكِ معه… فقط لو كان التوقيت مناسباً.”
آه، من كلمة “لو”. الحرف الوحيد في اللغة الذي يحمل ثقل مقابر الآمال الميتة. لو كان التوقيت مناسباً، لما تحولت القصة إلى حكاية تروى في خلوات المساء، ولما افترقا على صخرة الاستحالة وهما يتلفتان وراءهما بحسرة المودعين. لكانت الآن تلملم كتبها في بيته، وتتقاسم معه قهوة الصباح بلا خوف من أن تشرق شمس الغد وهما في عالمين منفصلين.
سلام الأرواح المتباعدة
رفعت رأسها من فوق المنديل المبلل بالدموع الصامتة، ونظرت مطولاً إلى وجهها المنعكس على زجاج النافذة، وقد غشيه ضباب الشتاء.
لقد مضى كل في راهنه؛ هو في عوالمه البعيدة الملتزمة بالواجب، وهي هنا في ركنها الباريسي الحزين تستحضر طيفه. لكن شيئاً جوهرياً لم ينكسر بينهما في الأعماق. لقد أدركت، وهي تبتسم بمرارة، أنها ستذكره دائماً، لا بحقارة الفراق، بل بنبل المحاولة.
وإن لم يتحدثا ثانيةً أبداً، وبقي الغياب سيداً للموقف، فإنها ستظل تؤمن بما أراد لها أن تؤمن به: أن بعض الرجال يمرون في حياتنا كعواصف تدمر كل شيء، وبعضهم يمرون كغيوم صيف عابرة، أما هو، فقد كان كالوطن المؤقت؛ دافئ، رحب، وجميل… لكن طرده الوقت قبل أن نتمكن من ترخيص الإقامة فيه إلى الأبد!



إرسال التعليق