مايسترو الخداع العظيم: كيف تمارض السادات في سبتمبر 1973 وخدع عواصم العالم قبل الطوفان؟

الدكتور لكوص توفيق

في تاريخ الصراعات العسكرية الكبرى، لا تُحسم المعارك فقط بضخامة حشود الدروع أو بمدى الصواريخ، بل تُحسم في الغرف المظلمة للعقول التي تتقن فنون “الخداع الاستراتيجي”. وحين يُذكر نصر أكتوبر المجيد عام 1973، يبرز اسم الرئيس المصري أنور السادات باعتباره داهية سياسية فاقت حبائكها أعتى أجهزة الاستخبارات في العالم. لقد أدرك السادات بوعيه العسكري والسياسي أن مواجهة جيش الاحتلال الإسرائيلي، المدعوم بالكامل من المظلة الاستخباراتية الأمريكية، تتطلب تدمير “عقيدة اليقين” لدى العدو قبل إطلاق رصاصة واحدة.

ولم يكن الخداع العسكري العابر كافياً، بل بُنيت استراتيجية التمويه على طبقات عميقة متكاملة، بدأت من هندسة الخزينة العامة، مروراً بطرد الخبراء السوفيت، وابتداع صفقات الطائرات المستترة، وصولاً إلى ذروة العبقريّة الاستخباراتية في خريف عام 1973.

أولاً: الخداع الاقتصادي.. إفراغ الخزينة المظهرية وبناء الحساب الموازي

لبناء جدار العزل النفسي والمالي للعدو، تعمدت الدولة المصرية إفراغ الموازنة الرسمية المعلنة من أي فائض نقدي، حتى إذا ما تطلعت عيون الجواسيس وجداول التقارير الاقتصادية إلى مصر، لرأوا بلداً يعاني شحاً مالياً ظاهرًا يدفعهم للاعتقاد بأن “مصر تشحّت”.

لكن خلف هذه الواجهة المتعمدة، أُدير حساب موازي سري غُذّي بدعم ومساعدات شقيقة من ملوك وأمراء الخليج، ومن ليبيا، وبإسهامات مقدرة من الجاليات المصرية في الخارج. ومن هذا الحساب الخفي، دُفعت أثمان صفقات السلاح الكبرى التي جهزت الجيش للمعركة، بمعزل عن قيود التسليح الروسي التقليدي.

— ثانياً: صدمة طرد الخبراء.. تحرير قرار الحرب والمال شكل قرار إبعاد نحو سبعة عشر ألف خبير سوفيتي مع عائلاتهم عن الأراضي المصرية خطوة جريئة ومحورية؛ فقد حقق السادات بذلك هدفين استراتيجيين بضربة واحدة:

  1. التحرر الاستراتيجي: انتزع قرار الحرب من أيدي السوفيت الذين كانوا يترددون في منح مصر سلاح الهجوم الكاسح، ليصبح القرار مصرياً خالصاً.
  2. الاستنزاف المالي: وفر هذا القرار ملايين الدولارات كانت تُصرف شهرياً على إعاشة وسكن وامتيازات هذا العدد الضخم من الخبراء، موظفاً تلك الأموال في المجهود الحربي المباشر.

ثالثاً: حيلة الميراج والهروب من الحظر الفرنسي

حين فرضت فرنسا حظراً صارماً على تصدير السلاح لمصر، هندس السادات سيناريو ذكياً عبر الاستعانة بالزعيم الليبي معمر القذافي لشراء 110 طائرات “ميراج 5” فرنسية الصنع لصالح ليبيا. جرى تدريب الطيارين المصريين سراً عليها في قاعدة طبرق الليبية، قبل أن تُنقل الطائرات تدريجياً وبشكل مخفي إلى الأراضي المصرية قبل أيام معدودات من اندلاع الحرب، لتشكل مفاجأة جوية مدوية للعدو.

رابعاً: أسطورة “الرجل الذي لا يهمّه سوى البيزنس”

عبر سن قوانين الانفتاح الاقتصادي وإشاعة مناخ من الضائقة المعيشية المصطنعة، نجحت المخابرات المصرية في ترسيخ قناعة لدى أروقة الموساد ووكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) بأن “السادات رئيس براغماتي، همه الأول الاقتصاد والبيزنس، وليس رجلاً يفكر في حرب مدمرة”. هذا الاطمئنان الكاذب هو ما جعل القيادة الإسرائيلية تستبعد تماماً خيار المواجهة الشاملة.

خامساً: الذروة.. مسرحية المرض المفتعل وشراء الفيلا في باريس (سبتمبر 1973)

قبل اندلاع المعركة بشهر واحد وتحديداً في شهر سبتمبر من عام 1973، سافر السادات لحضور قمة حركة عدم الانحياز في الجزائر. وهناك، قرر إطلاق الخدعة الكبرى الأكثر دقة وإحكاماً في تاريخ الحروب الحديثة:

  • تسريب المرض المزعوم: استدعى الرئيس رئيس المخابرات وطلب منه زرع معلومة سرية تفيد بأنه مصاب بمرض عضال خطير يستدعي علاجاً عاجلاً في عيادة طبيب فرنسي شهير في باريس، وأن الرئاسة تنوي شراء فيلا هادئة على أطراف العاصمة الفرنسية ليقيم فيها فترة النقاهة ابتداءً من مطلع أكتوبر.
  • فخ الدبلوماسي المخترق: نجحت المخابرات المصرية عبر دبلوماسي محنك في التقارب مع دبلوماسي جزائري معروف بصلاته المرصودة مع شبكة الموساد في باريس. بعد تردد متعمد ومخاوف مصطنعة من تسريب “سر الدولة الأمني”، أفشى الدبلوماسي المصري خبر مرض الرئيس الوشيك وتجهيز الفيلا الباريسية لاستقباله أول أكتوبر.
  • التمويه البصري الأمني: عاد السادات إلى القاهرة واختفى تماماً عن الأنظار ووسائل الإعلام، بينما أصدر أوامره لجهاز المخابرات بفرض حراسة أمنية مشددة وعلنية على الفيلا المزعومة في باريس، لتبتلع الاستخبارات الإسرائيلية والأمريكية الطعم بالكامل، وتقر قطعياً بأن “السادات خارج حسابات الحرب لتفرغه لمرضه وعلاجه”.

ختاماً: وفاء لتاريخ الرجال الكبار

حين انقشعت سحب الخداع الاستراتيجي في السادس من أكتوبر 1973، كان السادات يقود قواته المسلحة نحو أعظم انتصار عسكري عربي حديث. ولن ينسى التاريخ أبداً الأدوار التاريخية الكبرى؛ فبجانب العبقريّة المصرية، تقف الجزائر الشقيقة بقيادة الزعيم الفذ هواري بومدين شامخة، حين أفرغ خزائن بلاده وسافر بنفسه إلى موسكو ليشتري سلاح المعركة شحناً وينقله لفجر مصر بلا تردد. رحم الله صناع النصر وقادة الأمة، وكل من وقف في تلك الأيام الخالدة بجانب الحق العربي الأصيل!

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك