العقيد عبقري حرب العصابات الذي دوخ جنرالات فرنسا في حرب التحرير
عبقري تكتيك حرب العصابات: العقيد مهندس المعارك الخاطفة وأسد الصحراء في ثورة التحرير الجزائرية
د لكوص توفيق
في تاريخ العسكرية العالمية، تُدرس حروب العصابات كفلسفة قتالية تعتمد على المباغتة، استنزاف العدو، والضرب السريع ثم الانسحاب دون الدخول في معارك كلاسيكية غير متكافئة. وإذا كانت الثورة التحريرية الكبرى في الجزائر (1954-1962) قد أدهشت العالم بنجاحها الباهر في تحطيم واحدة من أقوى ترسانات الاستعمار الفرنسي، فإن السر يكمن في وجود قادة عسكريين عباقرة حوّلوا جبال الجزائر وصحاريها إلى مقابر للغزاة.
وعلى رأس هؤلاء العباقرة، يبرز اسم قامة عسكرية فذة كرّس حياته وفكره لفن التكتيك القتالي، إنه الشهيد البطل العقيد أحمد بن عبد الرزاق حمودة، المعروف تاريخياً بـ “العقيد الحواس”، أسطورة الولاية الساشتوية (الصحراء التاريخية السادسة) ومهندس حرب العصابات في بيئة قاسية لا يطؤها إلا الأبطال.
1. التأسيس الاستراتيجي: قتال المستحيل في قلب الصحراء
حين كُلف العقيد الحواس بقيادة المنطقة السادسة (الصحراء)، واجه تحدياً عسكرياً يبدو للوهلة الأولى مستحيلاً: كيف تخوض حرب عصابات في مساحات شاسعة من الكثبان الرملية والمنبسطات المكشوفة التي تفتقر للغطاء الغابوي التقليدي الذي تعودت عليه جيوش التحرير في الشمال؟
هنا تفتق الذكاء العسكري للحواس عن ابتكار تكتيكات فريدة تناسب طبيعة الصحراء القاسية:
- الاعتماد على وحدات الحركة السريعة (المجموعات الخفيفة): فكك الحواس القوات الكبرى إلى خلايا صغيرة ومتحركة، تمتلك مرونة فائقة في المناورة والقدرة على الاختفاء السريع بين الوديان والكثبان.
- توظيف عنصر المفاجأة المطلقة: جعل الحواس من الصحراء سلاحاً فتاكاً ضد العدو، حيث كانت قوات جيش التحرير تظهر فجأة من حيث لا يحتسب الفرنسيون، تنفذ ضربات خاطفة (كمائن، إغارة على مراكز الإمداد، وتدمير القوافل)، وتختفي في غضون دقائق معدودة مستغلة درايتها الدقيقة بدروب الصحراء.
2. هندسة الكمائن وحرب الاستنزاف
لم يكن العقيد الحواس مجرد قائد ميداني شجاع، بل كان مُخططاً استراتيجياً بارعاً يدرس تحركات العدو بدقة هندسية:
- شل قدرات الجيش الفرنسي: أدرك الحواس تفوق فرنسا التكنولوجي والجوي، فاعتمد على تكتيك “إلغاء هذا التفوق” من خلال الالتحام السريع بالعدو (القتال من مسافة صفر)، مما جعل المدفعية والطائرات الفرنسية عاجزة عن قصف الثوار تفادياً لإصابة قواتها.
- إدارة الإمدادات والتموين: استابح الحواس طرق الصحراء وشل خطوط إمداد العدو، وحول وحدات جيش التحرير إلى أشباح تؤرق مضاجع الثكنات الفرنسية في ورقلة، بسكرة، تقرت، وعميق الصحراء.
3. عبقرية القيادة والتحمّل: “أسد الصحراء”
لم تقتصر عبقرية العقيد الحواس على الجانب التكتيكي البحت، بل تجلت في قدرته العالية على التعبئة وقيادة الرجال في ظروف قاسية للغاية:
- استطاع أن يصنع من أبناء الصحراء والقبائل المحلية جيشاً منظماً ومحترفاً في حرب العصابات، غرس فيهم الانضباط الحديدي والإيمان المطلق بعدالة القضية.
- عُرف عنه قربه الشديد من جنوده، يشاركهم قساوة العيش والمسير الطويل، مما جعل اسمه مقترناً بالهيبة والوقار والبسالة العسكرية.
4. الشهادة الخالدة في معركة الفدائيين الكبرى
ظل العقيد الحواس شوكة في حلق القيادة العسكرية الفرنسية، وخاض معارك ضارية أفقدت العدو صوابه، إلى أن استشهد في معركة بطولية خالدة (معركة الجرف الشهيرة أو ضمن سلسلة المواجهات الكبرى رفقة إخوته القادة كالعقيد عميروش) في مارس 1959، ليترجل الفارس عن صهوة جواده تاركاً إرثاً عسكرياً خالداً يُدرس في المدارس الحربية حول فن إدارة حروب التحرير في البيئات الصعبة.
إن العقيد الحواس لم يكن مجرد ضابط في جيش التحرير الوطني، بل كان مدرسة عسكرية متكاملة في فنون التكتيك، والمناورة، واستغلال الجغرافيا لصالح التفوق المعنوي والنضالي. لقد أثبت هذا البطل أن الإرادة الصلبة والذكاء التكتيكي قادران دائماً على إسقاط أحدث ترسانات الاستعمار، ليظل “أسد الصحراء” علامة فارقة في تاريخ العسكرية الجزائرية والعالمية.



إرسال التعليق