ما هي المدينة الجزائرية التي تتساقط فيها اكبر كمية ثلوج كل سنة
ليلى بلدي
حين يرتدي الشتاء عباءته البيضاء، وتتحول قمم جبال جرجرة الشامخة إلى حصونٍ مرصعة بالبلور، تتجه الأنظار نحو تلك الرقعة الساحرة التي تتربع على عرش الشتاء الجزائري. ليست مجرد بلدية أو نقطة على الخريطة السياحية، بل هي المدينة التي تسجل سنوياً أعلى معدلات لتساقط الثلوج وسماكتها على مستوى التراب الوطني: مدينة عين الحمام (ميشلي سابقاً) بولاية تيزي وزو.
تقع هذه المدينة الفذة على ارتفاع يزيد عن 1080 متراً عن سطح البحر، وتلتصق بحواف السلاسل الجبلية للكركور وجرجرة الوسطى. وفي كل شتاء، تحولها النشرات الجوية والتغيرات المناخية إلى العاصمة الأولى للزائر الأبيض؛ حيث لا تُقاس الثلوج فيها بالسنتيمترات العابرة، بل بأمتارٍ تتراكم لتغطي أسطح القرميد الأحمر والممرات الصخرية القديمة.
لوحة طبيعية وتحديات الشتاء الصامدة
تساقط الثلوج في عين الحمام ليس مجرد ظاهرة جوية، بل هو هُوية واحتفالية يومية تعيشها القرى والمدن المجاورة مثل “أبي يوسف” و”إسلي”. في أوقات الذروة الاستثنائية، قد تتجاوز سماكة الثلج متراً ونصف المتر في قلب المدينة، ليُعزل السكان رسمياً عن المحيط، وتتحول الشوارع إلى مسارات بيضاء ناصعة لا تطأها إلا الأقدام المجهزة أو كاسحات الثلج التابعة للحماية المدنية والجيش الوطني الشعبي.
ورغم ما يفرضه هذا التراكم الثلجي القياسي من تحدياتٍ لوجستية وصعوبة في التنقل وتأمين التموين، فإن أهالي المنطقة يملكون “تقاليد التضامن والصلابة” التي ورثوها أباً عن جد. تفتح المقاهي القديمة أبوابها لتقديم الشاي الساخن وزيت الزيتون البكر، بينما يتكاتف شباب القرى في إزاحة الثلوج عن بيوت كبار السن، في مشهد إنساني يبعث الدفء وسط الصقيع القارص.
مقصد عشاق الشتاء وجماليات الفوتوغرافيا
مع هدوء العواصف الثلجية وصفاء السماء، تنكشف عين الحمام عن منظر ساحر يأسر ألباب المصورين وعشاق الطبيعة العذراء. تطل المدينة على وادٍ يمتد نحو القمم المجاورة، وتنعكس أشعة الشمس الذهبية على الثلوج الناصعة، مجسدةً تبايناً بديعاً بين خضرة أشجار الأرز والأشجار الصنوبرية وبين البساط الأبيض الممتد بلا نهاية.
إن تساقط الثلوج القياسي في عين الحمام يذكرنا دائماً بأن الطبيعة الجزائرية تملك تنوعاً مناخياً استثنائياً؛ فبينما تحضن الصحراء الدفء والرمال، تقف مدن جرجرة وعلى رأسها عين الحمام كدروع بيضاء تعانق السحاب، وتحفظ للذاكرة الوطنية الشتوية رونقها الخالد.
ليلى بلدي
صحفية ومحررة الشؤون الثقافية والبيئية



إرسال التعليق