20 مساومة على الشرف كل يوم .. كيف تحتفظ بما تبقى من كرامتك وأنت تحاسب بالتقسيط المريح!
هناء حلمي
تعالوا نلتقي اليوم على صفيح ساخن، ونتحدث عن ذلك “العداد اليومي” الذي يشتغل في رؤوسنا منذ الصباح وحتى منتصف الليل. لا أعني هنا عداد الكهرباء الذي يسرق جيوبنا، ولا عداد الميكروباص الذي يرتفع مزاجه حسب سعر البنزين، بل أعني “عداد المساومات اليومية على المبادئ والشرف”.
في عالمنا المعاصر، لم يعد الشرف كلمة كبرى مرتبطة بالمعارك الملحمية أو الخطب الوطنية الحماسية فحسب؛ بل تحول إلى “عملة يومية صغيرة” يتم فكها، وتخفيض سعرها، والمساومة عليها في كل زاوية من زوايا الحياة البائسة.
كتالوج المساومات الصباحية والمسائية
تخيل معي عزيزي المواطن أنك تخرج من بيتك، لتجد نفسك مضطراً لخوض ما لا يقل عن 20 مساومة صامتة وموجعة على مبادئك طوال اليوم الواحد. إليكم عيّنة من جدول أعمال “التنازلات الصغيرة”:
- مساومة العمل: أن يطلب منك المدير أن تمرر خطأً إدارياً أو تزويرًا طفيفًا في الأوراق، ويقول لك ببساطة: “يا راجل مشيها، الكل بيعمل كده، وعشان بيتك ومستقبلك”. هنا يطلب منك أن تبيع جزءاً من نزاهتك مقابل ضمان بقائك في الوظيفة.
- مساومة الصمت على الحق: أن تشهد ظلماً بيناً يقع أمام عينيك، فيرطن في رأسك صوت الحكمة الخبيثة: “خليك في حالك.. مالك ومال وجع الدماغ، بكرة يقولوا إيه اللى حشرك”.
- مساومة النفاق الاجتماعي: أن تضطر لابتسامة صفراء ومجاملة ثقيلة لمن تكرهه، وتقول له كلاماً معسولاً، لأن مصالحك ومصالح أطفالك مرتبطة برضاه الكاذب.
- مساومة العيش اليومي: أن تواجه تاجراً يحتكر السلعة أو يرفع سعرها بصورة جنونية، فيضطر منك أن تقبل بالحلول الملتوية أو تغض الطرف لتستطيع تأمين لقمة العيش.
لماذا يبيع الناس بالتقسيط؟
الخطير في هذه المساמות العشرين ليست في كونها “صدمة كبرى”، بل في كونها تأتي على هيئة “قطرات ماء تنخر في الصخر ببطء”.
هم لا يطلبون منك أن تبيع مبادئك دفعة واحدة في صفقة ضخمة، بل يعرضون عليك شراءها “بالتقسيط المريح”! كل يوم تتنازل عن ذرة صغيرة، عن مبدأ بسيط، عن كلمة حق كان يجب أن تُقال، عن موقف كان يجب أن تُسجل فيه اعتراضك.
وفي نهاية الشهر، تنظر في المرآة وتتساءل بذهول: “أنا مين؟ وإلى أين وصلت؟ ومتى تحولت من إنسان يحمل مبدأ إلى موظف في شركة التنازلات الكبرى؟”.
الناس لا تسقط في مستنقع الخراب الأخلاقي بضربة واحدة، بل تُستنزف تدريجياً عبر آلاف المساومات اليومية التي تقنعهم بأن “الضرورات تبيح المحظورات”، وبأن “البقاء للأصلح.. والأصلح هنا هو من يتقن فن الانحناء مع الريح!”.
لذا يا سادة، إن استطاع أحدكم أن يمر اليوم بسلام، وألا يبيع من كرامته وضميره إلا بأقل الخسائر الممكنة، فليحمد الله على نعمة “الثبات المؤقت”.
حاولوا أن تغلقوا دكان المساومات هذا متى أمكنكم، ولا تتركوا العداد اليومي يسحب من أرصدتكم الأخلاقية حتى تجدوا أنفسكم على طبق من فقر ومهانة.
تصبحون على ضمائر حية، وبدون تنازلات رخيصة!



إرسال التعليق