أنا لا أبحث عن أصدقاء.. نادي الكارهين للجميع بصمت تام!

هناء حلمي

تعالوا نلتقي اليوم في قمة العزلة الاختيارية، ونرفع لافتة كبرى مكتوب عليها بحبر سميك: “ممنوع الاقتراب.. ممنوع التصوير.. وممنوع إلقاء التحية أصلاً!”.

سؤال يتردد في ذهني، وفي أذهان كل من أرهقته تجارب العلاقات البشرية الفاشلة: لماذا يريد الجميع أن يكونوا أصدقاءك؟

لماذا يصر هذا العالم المزعج على إقناعك بأن السعادة تكمن في “جلسات السمر”، و”الجروبات المشتركة”، و”الصحبة الطيبة التي تزن الذهب”؟ يا جماعة، أنا لا أزن ذهباً، أنا أزن “ديوناً وأعصاباً تالفة”، ولا حاجة لي بأصدقاء يشاركونني فنجان القهوة ثم يغادرون ومعهم نصف خريطة أسراري!

كتالوج صيانة العلاقات البائسة (الذي قررت إلغاءه للأبد)

الأصدقاء في زمننا المعاصر لم يعودوا هؤلاء الذين يقفون بجانبك في الشدائد كما في أفلام الأبيض والأسود. الصديق الحديث هو عبارة عن:

  1. مفتش سري مؤقت: يسألك عن أحوالك لاطمئنان قلبه عليك، بل ليعرف إن كنت أسوأ حالاً منه أم لا، ليطمئن ويرتاح ضميره!
  2. شريك في إهدار الوقت: يتصل بك في عز انشغالك بلمّ شتات عقلك، ليحدثك عن مشاكله مع خادعته أو تفاصيل طهوه لطبق “المسقعة”!
  3. مصدر دائم للإزعاج العاطفي: يطلب منك أن تكون “كتفاً لتبكي عليه”، بينما أنت نفسك تبحث عن مخدة تبكي عليها بصمت ودون شهود!

عظمة “الوحدة المقصودة”

لذلك، عندما أقول “لا أريد أصدقاء”، فهذا ليس اكتئاباً، ولا هو دعوة للانتحار الاجتماعي، بل هو “ترقية مجتمعية واعية”.

لقد اكتشفت متأخراً أن الأصدقاء يستهلكون من رصيدك النفسي ما لا تستهلكه أقساط البنوك. كل صديق جديد تضيفه إلى حياتك هو بمثابة “فرع جديد لمشاكل لست بحاجة إليها”. لماذا أجبر نفسي على الابتسام في وجه شخص لا يعنيني أمره، أو الاستماع لقصص تافهة بينما الكتب والقهوة والسكوت يرحبون بي بصدر رحب؟

البيت الهادئ، الهاتف الصامت، ورسائل الواتساب الفارغة من ترهات “صباح الخير يا رفيق الدرب”.. هي الجنة الحقيقية على الأرض.

لا أريد أن يعرف أحد متى أغضب، ومتى أنام، وماذا أحب وما أكرره. الغموض هو سياج العقل الأخير، والعزلة هي الحصن الذي لا تقترب منه صواريخ النفاق الاجتماعي.

لذا يا سادة، إن وجدتموني أمشي في الشارع وأنا أنظر إلى قدمي، أو أتجاهل رد التحية، فلا تظنوا أنني متكبر أو حزين.. أنا فقط في أعلى درجات السلام النفسي!

تصبحون على عزلة مباركة، وبدون أصدقاء على الإطلاق!

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك