في مديح المزاجيين الذين لا تشتريهم الحياة

آسيا أيت عامر

قيل قديماً في كُتب الحكمة البشرية إن المزاجيين لا يصلحون للعشرة، وإن العيش معهم يشبه الركض فوق حقل من الألغام الموقوتة. فهم أولئك الكائنات التي قد تبدأ معك ضحكةً صافية تنبع من أعماق القلب حتى لتكاد الدنيا تضيق بصوت بهجتها، لكنها في ومضة بصر تنقلب إلى صمت مأساوي أو حزن عميق لا مبرر ظاهراً له. إنهم يعيشون على حافة الانقسام الداخلي الدائم؛ يستطيعون أن يحبوك بجنون لكنهم يظهرون لك جفاءً غريباً، وينصحونك ببراعة لتتجاوز محنتك بينما هم يحملون في دواخلهم رماداً لا يعلمه إلا الله.

تراهم يبحثون عن هدف بشغف محموم، يتعبون ويحترقون من أجل الوصول إليه، لكنهم فجأة، وعلى حين غرة، يفقدون الشغف تماماً؛ فتتجمد أعصابهم تجاهه كأنه لم يعنِ لهم شيئاً قط، ببرود قلب يثير حيرة كل من حولهم.

لكن، بعيداً عن أحكام العوام التي تظلمهم وتصفهم بالغرور والتكبر -وهما, في الواقع، عكس حقيقتهم تماماً- فإن المزاجيين يمتلكون طينة بشرية فريدة ومخيفة في آن واحد. فما الذي يميز هؤلاء المتقلبين عن بقية البشر؟

رادار الأرواح وبصيرة التفاصيل

يمتلك المزاجي حاسة سادسة تكاد تبصر الغيب؛ إنه يحس بالأشياء قبل وقوعها، يقرأ النوايا ويسبر أغوار الشخصيات بكل سهولة ويسر، ويحلل الأحداث من حوله بمهارة دليله الملاحظة الدقيقة والانتباه المذهل لأدق التفاصيل التي تعمى عنها العيون العادية. إنه لا يمر على الحياة مرور الكرام، بل يمتص تفاصيلها بجلده وروحه.

الوجه الواحد.. وطهارة الموقف

لكن أجمل ما في المزاجيين وأعظم ما يُحسب لهم، هو أنهم يملكون وجهاً واحداً. هم أطهر من أن يكذبوا، وأعز من أن ينافقوا أو يجاملوا نفاق العلاقات العامة. لا يتقنون فنون الابتسامات الصفراء ولا يبيعون مواقفهم. وهم في تعاملهم الإنساني عادلون بالفطرة؛ لا يؤمنون بالفوارق الاجتماعية، ولا تحنيهم سطوة المال أو المادة. المزاجي كائن لا يُباع ولا يُشترى، وليس له سعر في سوق المصالح المفتوحة. والأجمل من ذلك كله، أنهم لا يكرهون، ولا يحقدون، ولا ينتظرون المساعدة من أحد؛ بل يكتفون بالانسحاب بهدوء ليتعايشوا مع آلامهم بصمت نبيل.

إنهم متقلبون نعم، لكن تقلبهم ليس عبثاً، بل هو ضريبة الشفافية المطلقة في عالم يعشق الأقنعة. المزاجي ليس شخصاً صعب المعاشرة فحسب، بل هو روح حرّة تعيش أضعاف عمرها في اللحظة الواحدة.. كعاصفة ربيعية جميلة، لا تستطيع أن تروضها، ولكنك لا تستطيع أبداً أن تنسى أثر مطرها.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك