الوحدة العسكرية الأغرب في التاريخ .. جيش من البروفيسورات
اللواء متقاعد عبد الباقي جبير
حين تندلع الحروب الكبرى، وتتطاير شظايا الموت، وتشتعل نيران البارود في كل زاوية من كوكب الأرض، تتوارى خلف الغبار الأوراق والقوانين، وتتحول المتاحف والقصور إلى ركام. اعتادت البشرية أن العسكري لا يحمل سوى بندقيته، وأن مهمته الحصرية هي القتل، أو التدمير، أو حماية الحدود بالدم والحديد.
لكن في عام 1943، وفي خضم الحرب العالمية الثانية الأكثر دموية في التاريخ البشري، أنشأت الولايات المتحدة الأمريكية واحدة من أغرب الوحدات العسكرية وأكثرها إلهاماً على الإطلاق؛ وحدة لم تكن مهمتها إطلاق رصاصة واحدة نحو العدو، بل إنقاذ الفن والذاكرة الإنسانية من براثن الدمار والسرقة!
أولاً: جيش من البروفيسورات خلف الخطوط الأمامية
أُطلق على هؤلاء اسم “رجال الآثار” (The Monuments Men)، وكان المشهد بحد ذاته عبثياً وساحراً في آن واحد: فرقة عسكرية لا تتألف من جنود مشاة أشاوس، بل من مؤرخي الفن، المهندسين المعماريين، أمناء المتاحف، الأساتذة الجامعيين، ورجال الدين والمختصين الذين تركوا مكاتبهم الوثيرة وكتبهم ليجدوا أنفسهم يرتدون الزي العسكري الخاكي، ويزحفون وسط طين المعارك!
- لم تكن أسلحتهم دبابات ثقيلة ولا مدافع هاون، بل كانت كاميرات تصوير، ودفاتر ملاحظات، وخرائط قديمة للقصور والمخبأ السرية.
- كانت مهمتهم المرعبة هي تتبع مئات الآلاف من اللوحات، والتماثيل، والمخطوطات النادرة التي سرقها النظام النازي بوحشية ونظامية مرعبة من المتاحف والكنائس والقصور العائلية في مختلف أنحاء أوروبا المحتلة.
ثانياً: استعادة ذاكرة العالم من بين أنقاض الموت
دخل هؤلاء الرجال ألمانيا وفرنسا وإيطاليا خلف الخطوط الأمامية مباشرة، في سباق محموم ومجنون مع انهيار الرايخ الثالث:
- استطاعوا بمثابرة جنونية استعادة أكثر من 5 ملايين قطعة فنية مسروقة.
- شملت هذه الكنوز لوحات خالدة لأساطير الفن البشري مثل ليوناردو دا فينشي، رامبرانت، وفان غوخ، إضافة إلى تحف نادرة مثل تمثال “العذراء والطفل” لمايكل أنجلو في بروج البلجيكية.
- لم تكن المهمة سهلة؛ فقد واجهوا الألغام، ونيران المدفعية المتبادلة، والأوامر النازية الصارمة بتدمير تلك الكنوز في حال الهزيمة، لكن إصرارهم على حماية هوية الإنسان البصري كان أقوى من كل أسلحة الدمار.
ثالثاً: كنز “ألت أوسي”.. ملحمة الملح والذهب
من أشهر إنجازات هذه الوحدة الأسطورية وأكثرها دراماتيكية، كان اكتشاف كهف ومناجم ملح “ألت أوسي” (Altaussee) في النمسا:
- اتخذ النازيون من هذه الأنفاق العميقة والمظلمة مستودعاً حصيناً لتخزين آلاف الأعمال الفنية المسروقة والمهددة بالنسف.
- لم يكتفِ رجال الآثار باكتشاف لوحات لا تقدر بثمن، بل عثروا هناك أيضاً على تاج الإمبراطورية الرومانية المقدسة، ومخطوطات تاريخية نادرة تكاد تختفي من الوجود.
- في اللحظات الأخيرة قبل تفجير المناجم بأوامر نازية سرية، استطاع أفراد الوحدة –بدهاء وشجاعة نادرة– تعطيل الشحنات الناسفة، ليعيدوا للبشريّة الجزء الأكبر من هويتها البصرية والروحية المنهوبة.
خاتمة
إن قصة “رجال الآثار” تظل واحدة من أندر الصفحات وأجملها في تاريخ العسكرية العالمية؛ فهي تثبت أن الحرب، مهما كانت قاسية وعديمة الرحمة، لا ينبغي أن تستبيح روح الإنسان وذاكرته الفنية. لقد أثبت أولئك الأساتذة والعلماء ببطولتهم الصامتة أن حماية اللوحة والتمثال والمخطوطة، هي في جوهرها حماية لمعنى أن نكون بشراً!



إرسال التعليق