في أزمة المعايير وسلطة القشور في عالمنا المقلوب
أنوار عبد العظيم
في كثير من الأحيان، حين نتأمل تفاصيل الحياة اليومية، ونراقب كيف تُصنع الأقدار، وكيف تتبوأ الأسماء مناصبها، وتُمنح الفرص لمن لا يستحقها بينما يُحاكم أهل الكفاءة في ظلال النسيان، يتبادر إلى ذهنك ذلك المثل الشعبي البسيط في ظاهره، العميق في فلسفته: “لو أن الغربال يعرف قيمة السميد، لم يمسك قشور القمح”.
هذه العبارة البسيطة تختزل مأساة حقيقية تعاني منها مؤسساتنا، وثقافتنا، ومجتمعاتنا المعاصرة. إنها مأساة “انقلاب المعايير”؛ حيث تُترك الجوهر الحقيقي والثمين جانباً، ويتم الاحتفاء بالقشور الخاوية التي لا تسمن ولا تغني من جوع. فما الذي يحدث حين تدار الأمور بعقلية “الغربال الجاهل” الذي يفرط في الذهب ويبقي على القمامة؟
أولاً: منطق الغربال.. عندما تصبح الردائة هي المعيار
وظيفة الغربال بطبيعته الفنية والعملية واضحة ومحددة: أن يفصل بين الجيد والرديء، أن يمسك بالشوائب والقشور ليطرحها، ويدع الدقيق النقي أو السميد الخالص يمر لينفع الناس.
- لكن ماذا لو أصاب الخلل أداة الفرز نفسها؟ ماذا لو تحول الغربال إلى أداة عمياء تعكس الموازين تماماً؟
- في واقعنا الإداري والاجتماعي والثقافي، تتكرر هذه المفارقة بفظاعة؛ فبدلاً من أن تسند الأمور إلى أهل الكفاءة والخبرة والأمانة (السميد)، يتم تصفيتهم وإقصاؤهم بحجة أو بأخرى، بينما يُحتضن أصحاب الولاءات الشكلية، والخطب البراقة، والقدرة العالية على النفاق (القشور). النتيجة؟ مجتمعات تدار بالواجهة وتفرغ من الجوهر.
ثانياً: لماذا يمسك الغربال بالقشور؟ (سيكولوجية الاستبداد بالبلاهة)
إن اختيار الغربال للقشور لم يأتِ بمحض الصدفة، بل يخضع لديناميكيات مصلحية ونفسية معقدة:
- خوف الكفاءة من الكفاءة: أصحاب النفوذ المؤقت أو الإدارات الهشة يخشون بطبيعتهم الأشخاص الأكفاء؛ لأن السميد الخالص يفضح عوارهم ويكشف جهلهم، بينما القشور الخاوية تسكت عن الحق، وتصفق لأي خطأ، وتتناسب تماماً مع رغبة المستفيدين في الهيمنة دون مساءلة.
- سيادة الشكل على المضمون: في عالم يعبد المظاهر والبريق الزائف، تصبح القشرة اللامعة أكثر جاذبية من السميد الخشن الصادق. المهم هو كيف يبدو الشيء أمام الكاميرات لا ما هي قيمته الحقيقية على الأرض.
ثالثاً: ثمن تضييع السميد وبقاء القشور
حين ترتضي منظومة ما أن تستبدل الجوهر بالقشور، تدفع الفاتورة باهظة وقاسية من مستقبلها ورزق أبنائها:
- تنهار المؤسسات لأن إدارتها أُسندت إلى من لا يملكون سوى “الصوت العالي والولاء المطلق”.
- تُحبط الكفاءات الحقيقية وتضطر للهجرة أو الصمت، لتخلو الجو للمتسلقين وأصحاب المصالح الضيقة.
- يتحول المجتمع تدريجياً إلى بيئة طاردة للإبداع، مستهلكة للرداءة، تصفق للزيف وتبكي على أطلال الحقيقة.
إن إصلاح أي مجتمع يبدأ حتماً من إعادة ضبط “غربال المعايير”؛ ليعود فيفرز الأمور بميزان الكفاءة لا بميزان الولاء والمظهر. لو أن الغربال عرف قيمة السميد يوماً، لما سمح للقشور أن تتصدر المشهد وتغلق الأبواب في وجه النقاء. إلى أن يتم تصحيح هذه البوصلة المقلوبة، سنظل نردد بحسرة مريرة: ما أتعس الأوطان التي تترك دقيقها ليطير في المهب، وتحتضن في صدورها القشور!



إرسال التعليق