هل نحن نعيش في كازينو كبير؟.. الحياة اليومية بلغة البورصة والقمار

بسمة عمران

هل راقبت نفسك يوماً وأنت تقف في طابور الخبز، أو تحسب ما تبقى من راتبك في منتصف الشهر، وشعرت أنك لست إنساناً يعيش حياة طبيعية، بل “لاعب بوكر” فاشل يجلس على طاولة روليت عجيبة؟ أهلاً بك في الحقيقة المرعبة التي نحاول هروباً منها: نحن لا نعيش حياة حقيقية، نحن نعيش لعبة قمار كبرى؛ كازينو مفتوح السماء، يديره موظفون بلا قلوب، وتدور عجلاته كل صباح لنكتشف إن كنا سنربح وجبة عشاء معتبرة، أو سنخرج بجيوب فارغة و”ديون” جديدة تماماً!

أولاً: الاستيقاظ على رهان يومي.. هل ننزل إلى الشارع أم نربح “الباسورد”؟

في الكازينو التقليدي، تذهب بكامل إرادتك لتضع أموالك على الطاولة وتراهن على رقم أحمر أو أسود. أما في كازينو الحياة المعاصرة، فاللعبة إجبارية وغير اختيارية:

  • صلاحية الوجود كرقاقة قمار (Chip): بمجرد أن تفتح عينيك صباحاً، تبدأ المراهنة؛ هل ستكفي قيمة “الوصلة” أو الراتب لشراء أنبوبة غاز ولحم وطماطم، أم أن السعر سيقفز فجأة خلال ساعات الليل كأننا نلعب في بورصة العملات المشفرة المتقلبة؟
  • الوظيفة كطاولة بكرات: أنت لا تذهب إلى عملك لتنتج شيئاً ملموساً تفرح به، بل تذهب لتراهن بصحتك النفسية، وأعصابك، وعمرك، مقابل “رقاقة راتب” شهرية تتآكل قيمتها بفعل التضخم قبل أن تصل إلى يدك. إنها لعبة “أحمر أو أسود”؛ فإما أن تدفع الفواتير وتنجو لأيام قليلة، وإما أن تخسر الرهان وتدخل في دوامة الاقتراض والجمعيات السرية!

ثانياً: الاقتصاد كصالة قمار عظمى.. من يربح ومن يدفع الثمن؟

إذا كان المواطن البسيط يلعب القمار بـ “أعصابه وجيبه الممزق”، فإن كبار الحيتان في الأسواق والبورصات يلعبون بـ “أقوات الشعوب”:

  • كما رأينا في ألعاب الأسهم الوهمية والسندات التي تبيع المستقبل، تحولت الأوطان بأكملها إلى طاولات قمار ضخمة. المضاربون الكبار يجلسون في قاعات مكيفة يراهنون على ارتفاع سعر القمح، أو انخفاض قيمة العملة، أو انهيار قطاع كامل.
  • هم يربحون المليارات على شاشاتهم بضغطة زر واحدة، بينما يخسر الملايين من البشر لقمة عيشهم وأمانهم اليومي. إنها ليست سوقاً بالمعنى الاقتصادي الشريف، بل هي مقامرة منظمة ومشرّعة بقوانين البنوك المركزية، حيث الخاسرون دائماً هم من لا يملكون ثمن تذكرة الدخول إلى الطاولة!

ثالثاً: بهجة الوهم.. السلوتس (Slot Machines) والرواتب الوهمية

هل لاحظتم التشابه العجيب بين ماكينات القمار في الكازينو وبين حياتنا اليومية؟

  • تضع عملتك في الماكينة، تسحب الذراع، فتضيء الأنوار وتصدر أصواتاً موسيقية مبهرة تمنحك شعوراً زائفاً بأنك على وشك أن تربح الجائزة الكبرى، لتنتهي القطعة وتخرج الخانات بفارغها!
  • هذا بالضبط ما تفعله معنا الحياة؛ تمنحنا وعداً كاذباً بزيادة في الرواتب، أو بمعاش تقريبي، أو بانخفاض وشيك في الأسعار، لنسحب “ذراع العمل” وندور في الساقية عاماً بعد عام، ونكتشف في النهاية أننا كنا نلعب طوال الوقت في لعبة مبرمجة لكي يخسر فيها الجميع.. سوى صاحب الكازينو بالطبع!

أيها الأصدقاء، إن السؤال لم يعد: “هل نحن نعيش لعبة قمار؟”، بل أصبح: “كيف نستطيع الانسحاب من هذه الطاولة اللعينة دون أن نفقد عقولنا تماماً؟”. الحقيقة المرة أننا محكومون باللعب حتى إشعار آخر، لكن السلاح الوحيد المتبقي لنا هو أن ندرك قواعد اللعبة، وأن نضحك بمرارة على هذا العبث المنظم، وأن نتذكر دائماً أن أجمل ما في الكازينو.. هو أن ترفض أحياناً أن تضع رقاقاتك الأخيرة على الطاولة!

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك