حين تتمنى طفيليات العجز أن تهزمك الأقدار

أنوار عبد العظيم

في رحلة الحياة، لا تقاس قسوة الخصومة وحدتها بمدى شراسة المواجهة المباشرة فحسب، بل تُقاس أحيانًا بجبن الأساليب وصمت التربص. وحين تقف شامخًا بأسئلتك، وثباتك، ومشروعك الفكري أو الإنساني، تفشل كل محاولات المنافسة الشريفة أو الحوار العقلاني في النيل منك. وهنا تبرز طفيلية العجز بأجلى مفارقاتها؛ فبعض “أهل الزيف” الذين عجزت حيلهم عن مقارعتك، ينسحبون بهدوء إلى الظل، لا ليتوبوا، بل ليفترشوا مدرجات الانتظار، جادين في ترقب ضربة قدر، أو عثرة زمن، أو قسوة ظرف، لعل الحياة تتكفل بهزيمتك نيابةً عنهم.

أولاً: فلسفة العاجز.. عجز المواجهة وبراعة الترقب

إن أكثر ما يميز “أهل الزيف” هو مفارقة الصخب في زمن الرخاء والجبن في زمن المواجهة. حين تشرق شمس الحقيقة أو يبرز العمل الرصين، يختبئ هؤلاء خلف قناع الحياد المزعوم أو الصمت المطبق. لماذا؟ لأنهم يدركون تمام الإدراك أن ميزان الحجة والعمل لا يرشحهم للفوز.

  • إفلاس المبادرة: هم لا يملكون القدرة على الإبداع، ولا شجاعة المبادرة، ولا نبل الخصومة. أقصى ما أوتوه هو براعة الترقب السلبي؛ جلوس طويل على ضفاف أزماتك، بانتظار موجة عاتية تأتي من حيث لا تدري لتغرق سفينتك.
  • الشماتة المؤجلة: تتغذى أرواحهم المريضة على أمل واهٍ مفاده أن “الزمن كفيل بإسقاط الأقوياء”، وأن الأقدار ستتكفل بما عجزت عنه أيديهم القاصرة وعقولهم المفلسة.

ثانياً: الانتظار كحيلة نفسية للتعويض

لماذا يجلسون طويلًا ينتظرون سقوطك؟ لأن هذا الانتظار هو متنفسهم الوحيد للحفاظ على شعور وهمي بالتفوق:

  1. التعويض عن النقص: رؤيتك وأنت تواجه أعباء الحياة أو تمر بمحنة ما، تمنحهم طاقة سلبية عزائية؛ فهي توهمهم لفترة مؤقتة أنهم لستم “أفضل حالاً” بالضرورة، بل إن “الظروف” هي وحدها التي ظلمتهم وأعطتك الصدارة.
  2. الاستثمار في الفشل: بينما تبني أنت كل يوم حجر أساس في طريق وعر، يستثمرون هم كل طاقتهم في تمني انهيار هذا البناء. إنهم لا يصلحون شيئًا، بل يراهنون كليًا على خراب ما تقيمه.

ثالثاً: كيف تتعامل مع متربصي الأقدار؟

إن أروع ما يمكن للمرء أن يواجه به هؤلاء المنتظرين في زوايا الظل، هو مواصلة المسير.

  • لا تمنحهم متعة الانكسار: الحياة بطبيعتها لا تخلو من منخفضات، ومن عثرات طبيعية تعترض طريق أي مجتهد. لكن إدراكك أن هناك عيونًا متربصة تتمنى سقوطك، يجب أن يكون وقودًا إضافيًا للنهوض والصلابة.
  • النجاح كأعظم عقاب: إن أفضل رد على من ينتظر أن تهزمك الحياة، هو أن تستمد من قلب الحياة ذاتها قوة إضافية للانتصار. وحين يرونك تنهض من كل عثرة أشد قوة وأكثر إشراقًا، يتحول انتظارهم الطويل إلى جحيم أبدي من الكمد والغيظ.

إن أهل الزيف زائلون، وتَبِعات العجز لا تبني حضارات ولا تخلق أثرًا. أما الشرفاء الذين يواجهون الحياة بحلوها ومُرّها، فهم وحدهم من يصنعون المعنى. دعهم يجلسون طويلًا في قاعات الانتظار الباردة؛ فالعمر أثمن من أن يُصرف في الالتفات إلى طفيليات ترقب السقوط، بينما أنت منشغل تمامًا بالصعود والتحليق.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك