حرية التعبير ومسقَط الأخلاق في سماء الإعلام الحديث

أنوار عبد العظيم

في زمن تتشابك فيه الأسلاك وتتطاير المعلومات بسرعة الضوء، باتت “حرية التعبير” الشعار الأبرز والراية الأكثر رفرفة في فضاءات الإعلام الحديث وشبكات التواصل الاجتماعي. فاليوم، لم تعد الكلمة حكراً على غرف تحرير الصحف الكبرى أو منابر الإذاعات التقليدية، بل أصبح بمقدور أي إنسان أن يمتلك منصة خاصة يوجه من خلالها رسائله إلى الملايين بضغطة زر واحدة. غير أن هذا الانفتاح الهائل والقدرة غير المسبوقة على البث والوصول، يحملان في طياتهما إشكالية عميقة وخطيرة: أين تنتهي حرية التعبير المبتغاة، وأين تبدأ المسؤولية الأخلاقية التي تحمي المجتمع من الفوضى والانهيار؟

أولاً: وهم الحرية المطلقة.. الإعلام الحديث وانفلات الزمام

لطالما ناضلت البشرية من أجل انتزاع حقها في التعبير عن الرأي، ورفض الوصاية الفكرية والسياسية. لكن مع ثورة التكنولوجيا الرقمية، تحولت الحرية عند البعض من “قيمة نبيلة تخدم الحقيقة” إلى “مطلق عبثي” يبيح كل شيء.

  • سلطة الترند والمشاهدات: في خضم الههاث المحموم خلف الأرباح الافتراضية، وعدد الإعجاب والمشاركات، تتراجع معايير الدقة والتحري. تصبح الإثارة هي الهدف، والسبق الكاذب هو الوسيلة، بغض النظر عن الأضرار الجسيمة التي قد تلحق بالأفراد أو السلم الأهلي.
  • إلغاء المسافة بين الرأي والشتيمة: بات يُخلط عمداً بين حرية نقد السياسات والرموز وبين انتهاك الحياة الشخصية، والسب، والقذف، واستباحة أعراض الناس تحت غطاء “حرية الرأي”. وهنا يفقد الإعلام جوهره الرسالي ليتحول إلى أداة تدمير ممنهجة.

ثانياً: المسؤولية الأخلاقية.. الحارس الغائب في عالم السرعة

إن الحرية من دون مسؤولية هي ببساطة فوضى مدمرة. فالكلمة في عالم الإعلام الحديث ليست مجرد حروف تُكتب أو أصوات تُسمع، بل هي طاقة حية قادرة على بناء مجتمعات أو هدمها في ثوانٍ معدودة.

  1. أثقال الحقيقة والتحقق: إن الإبلاغ عن الأخبار وتداولها يفرض على الصحفي أو صانع المحتوى التزاماً أخلاقياً صارماً بالتثبت والتبين. فالشائعة التي تُنشر باستخفاف قد تدمر حياة بريء، أو تشعل فتنة لا تُحمد عقباها بين الشعوب.
  2. احترام كرامة الإنسان: إن حرية التعبير تتوقف فوراً عند النقطة التي تبدأ فيها كرامة الآخرين وحرياتهم الخاصة. فالإنسان ليس مادة للتسلية الرقمية، وتشويه السمعة تحت ذريعة “النقد العام” جريمة أخلاقية لا تغتفرها قوانين الضمير الإنساني.

ثالثاً: نحو ميثاق شرف جديد.. كيف نعيد الاعتبار لكلمة الصدق؟

إن استعادة التوازن المفقود بين حرية التعبير والمسؤولية الأخلاقية في الإعلام الحديث تتطلب وعياً جمعياً وإصلاحاً جذرياً في طريقة تعاملنا مع المحتوى الرقمي:

  • التربية الإعلامية والرقمية: تعزيز الوعي النقدي لدى الأجيال الجديدة، لتعلم كيفية التعامل مع الفضاء الرقمي بمسؤولية، والقدرة على التمييز بين الصحافة المسؤولة والتضليل الممنهج.
  • الذاتية الأخلاقية للكاتب: قبل أن تُقيد الكلمة بالقوانين الرقابية الصارمة، يجب أن تُقيد بـ “الضمير الحي”. فالإعلامي الحقيقي هو الذي يدرك أن قلمه أمانة كبرى، وأن الكلمة الطيبة شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، بينما الكلمة الخبيثة تجتث من فوق الأرض ما لها من قرار.

إن حرية التعبير هي الهواء الذي تتنفسه الديمقراطية والتقدم الفكري، لكن المسؤولية الأخلاقية هي الأكسجين الذي يمنع هذا الهواء من أن يتحول إلى غاز سام يختنق به المجتمع. إننا لا نحتاج إلى خنق الحريات، بل نحتاج إلى الارتقاء بوعينا الأخلاقي لنستعمل هذه الحريات فيما يعمر الأرض، ويبني الإنسان، ويحفظ كرامة الكلمة من أن تمتهن في أسواق العبث الرقمي.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك