سجال فكري في ندوة علمية بالمكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية مصطفى نطور بقسنطين

في ندوة علمية احتضنتها المكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية مصطفى نطور بقسنطينة وغاب ذكر الشيخ محمد الشاذلي القسنطيني رفيق الأمير عبد القادر في ندوة الأمير عبد القادر

تحفظ أكاديميون الحديث عن مذكرات الأمير عبد القادر و تعرضها للنقد و الهجوم من قبل النقاد، كونها تطرح تساؤلات عن الأحداث التي عاشها الأمير عبد القادر و مواقفه، كما تحفظ الذين قدموا أوراقهم في الندوة التي نظمتها المكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية مصطفى نطور بالتنسيق مع الأكاديمية الوهرانية الأمير عبد القادر خلال تظاهرة المهرجان الوطني للكتاب المقروء حيث تناولت الندوة الأمير عبد القادر في الدراسات التاريخية و الأدبية الفكرية المعاصرة مقاربات و رؤى نقدية عن الصراع بين الأمير عبد القادر باللفيف الأجنبي و كيف فشل هذا الأخير في مقاومة الأمير عبد القادر، فحياة الأمير عبد القادر كانت حافلة بالأحداث وهي بحاجة إلى قراءة أكثر عمقا لمسيرته كما تحتاج مذكراته إلى قراءة معمقة حتى تكون في متناول الشباب و الطلبة، إلا أن الندوة غاب فيها ذكر رفيق الأمير عبد القادر و هو الشيخ محمد الشاذلي القسنطيني فقد جمعهما رباط وثيق بين المؤانسة التاريخية والتواصل الصوفي والأدبي أثناء فترة أسر الأمير في فرنساf65fb64ac59d67bab69264032b7b5680_4.jpg

ناقش أكاديميون من مختلف جامعات الوطن سيرة الأمير عبد القادر الجزائري التاريخية و العسكرية و رحلاته أجمعوا في جملة مداخلاتهم بأن الأمير عبد القادر المجاهد الأول الذي اعاد بناء الدولة الجزائرية الحديثة حيث وصفون بالشخصية المتكاملة ظهرت في كل المجالات و ذلك من خلال الكتابات التي وثقت سيرة الأمير عبد القادر و انتصاراته في كل المعارك، فكان محور الدراسات في المخابر العالمية و إلى الآن ما تزال شخصية الأمير عبد القادر العسكري تدرس في العديد من المخابر ، و هو ما اشار إليه الدكتور محمد دراعو الذي قال ان شخصية الأمير عبد القادر لم تأت من فراغ، لأنه جاء في ظروف صعبة و معقدة تحتاج إلى رجل معتدل في فكره و عقيدته و حكيم في إدارة المشكلات و الخلافات و في اتخاذ القرارات ويسعى إلى بناء ثقافة التعايش و احترام الآخر و كان الأمير عبد القادر يحمل كل هذه الصفات ، حاصة في تعامله مع الأسرى و قدرته على تحويل الخلاف من صراع إلى تفاهم لتحقيق الإستقرار ، و كمثال تدخّل الأمير عبد القادر في أحداث سوريا للحد من الصراع الطائفي و عمله ايضا على حماية المسيحيين و تعامله مع الأسرى بنظرة إنسانية و هو ما أشارت إليه الدكتورة وهيبة بوربعين من جامعة عين تموشنت ( غرب الجزائر) التي أكدت أن الأمير عبد القادر يعدُّ من ابرز الرموز التاريخية ، نلمس ذلك في تأسيسه منظومة من القيم، مكنته من أن تكون له رؤية حضارية، فهو كما تضيف ذو نزعة إنسانيبة ارتبطت بمفهوم التسامح و العدالة و العيش المشترك حيث تعدّ تجربته نموذجا تاريخيا و سياسيا في الدفاع عن الذات و الإعتراف بالآخر و ليست مبادئ نظرية مجردة.

و يتضح أن الأمير عبد القادر كما تقول الدكتورة فريدة قاسي من جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بقسنطينة ( شرق الجزائر) شخصية غير عادية، فهو صاحب فكر قومي في القرن التاسع عشر، و تشهد عليه ما جاءت به الكتابات عنه حيث حان الوقت لمعرفة قيمة هذا الرجل باعتباره شخصية عالمية، تختلف عن الآخرين، باستثناء ابن باديس فقد قدم كل منهما في مرحلة معينة مشاريع معيّنة، أما في الجانب الصوفي تقول صاحبة الورقة أن الأمير عبد القادر نشأ نشاة صوفية عالمية و له تجربة في هذا المجال ، بحيث لم يكن نظريا بل ظاهرة باطنية باعتماده على ثلاثة مرتكزات في وصوله إلى الحقيقة الروحية و هي : “التعلق والتخلق ثم التحقق”، في الجانب التربوي قدم محاضرون شخصية الأمير عبد القادر المربي، الذي يجمع بين البعد السياسي و التربوي في مجتمع يحترم العادات و توظيفها في النصوص التعليمية لبناء القيم ، و هو ما جاء في ورقة الأستاذة بسماء سيليني من جامعة عبد الحميد مهري بقسنطينة حيث دعت إلى توظيف السيرة الذاتية في المنظومة التعليمية و التربوية.

ما ميز الندوة و التي كانت في الحقيقة ثرية جدا لأنها تناولت شخصية تاريخية عسكرية ، إلا أنها لاقت انتقادات بعض الحضور أثناء تدخلاتهم و طرح تساؤلاتهم و منهم الكاتب والباحث هارون حمادو الذي في تعقيبه لفت انتباه الأكاديميين إلى فشل اللفائف الأجنبية في مواجهة الأمير عبد القادر، وهذا نظرا إلى الحنكة السياسية و العسكرية للأمير، حيث تطلب الأمر توحيد كل اللفائف و جمعها في لفيف أجنبي واحد داعيا إلى إعادة النظر في مناطق الظل التي تشكل تفسيرات سلبية في جوانب حياة الأمير عبد القادر، و هو ما لم يشر إليه المحاضرون، و ربنا نقف مع فكرته ، فما لاحظناه هو أن الأكاديميين الذي قدموا ورقتهم أهملوا كذلك جانبا مهما من حياة الأمير عبد القادر، و هي أن الأمير عبد القادر كتب “مذكراته”، و هي عبارة عن سيرته الذاتية كتبها في السجن سنة 1849 ، وثّق فيها طفولته و أسرته و علاقاته بالشعوب والأمراء والملوك والعلماء والشيوخ المتصوفة، والبلدان التي أقام فيها في كل رحلاته ، وفيها روى عن أخبار الأديان والحضارات وعن أخبار مكة والمدينة المنورة وعن معاركه التي خاضها دفاعا عن الإسلام ، مع توثيقه سير الأنبياء و بالأخص عيسى بن مريم، و فضائل النصارى في القرآن و خصالهم و عقيدتهم في الأرض مع إشارة بعودة المسيح إلى الأرض ، لقاءاته مع بيجو ، كما خص في مذكراته الحديث عن وقوع الفتنة بعد القبض على الكراغلة و انسحاب “مولاي علي” و معاهدة دي ميشال و محادثته هذا الأخير في شأن الهدنة و قضايا جوهرية ترتبط بعلاقة الجزائر بالمغرب، لكن هذه المذكرات هاجمها النقاد من كل الجوانب بالنقد و الطعن، أما سعيد بحري استاذ جامعي فقد انتقد الدكتورة وهيبة قاسي بأن الأمير عبد القادر كان رجلا عاديا و لم يكن صوفيا ، و لا يمكن أن نمنحه صفة المتصوف لأن المتصوفة لهم آراءهم الخاصة، بل هو رجل مكافح و قائد له شخصية كاريزماتية.

كما تحفظ المحاضرون عن قضية توجيه تهمة تبني الأمير عبد القادر الفكر الماسوني ، خاصة و أن الكتابات التي رفعت التهمة عنه أو الإلتباسات إن صحّ التعبير شحيحة جدا، و القليل فقط من الأقلام التي ردت له الإعتبار ، كما أن عبارة ” الأمير كان ظاهرة باطنية” التي وردت في ورقة الدكتورة وهيبة قاسي تطرح عدة تساؤلات إن كان المنهج الفكري للأمير عبد القادر باطنيا، لأن مصطلح “الباطنية” له معاني و دلالات اختلف المفكرون و حتى اللسانيون في تحديد مفهومها الدقيق، تبقى قضية أحد المتدخلين الذي انتقد المحاضرين الذين تحدثوا عن الأمير عبد القادر و لم يذكروا رفيقه ( الشيخ محمد الشاذلي القسنطيني)، فهذا الأخير ربطته علاقة بالأمير عبد القادر الجزائري و كانت علاقتهما رباطا وثيقا جمع بين المؤانسة التاريخية، والتواصل الصوفي والأدبي أثناء فترة أسر الأمير عبد القادر في فرنسا، تجدر الإشارة أن الأمير عبد القادر، يجمع كل صفات القائد العسكري و الزعيم السياسي و المقاوم الثائر ، و بهذا فهو يستحق وعن جدارة لقب الزعيم المقاوم و القائد و المؤرخ ولقب الخطيب ورجل الدعوة ورجل السلام، كما يستحق لقب المنظِّر الديني والمنظِّر السياسي والمنظِّر العسكري ولقب الشاعر والفيلسوف.

علجية عيش

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك