برود المرأة العاطفي بعد الخمسين: تحول البوصلة سيكولوجياً وفسيولوجياً

بقلم: الدكتورة نعيمة سلامة

تلاحظ الكثير من الأسر، ويشعر بعض الأزواج، بتحولٍ ملموس في سلوك المرأة بعد تجاوزها سن الخمسين؛ حيث يقل اندفاعها العاطفي المعهود، وتتراجع حدة انفعالاتها، وترتدي سلوكياتها طابعاً من الهدوء الذي قد يُفسره الشريك بـ “البرود” أو الجفاء العاطفي. غير أن الغوص النفسي والفيزيولوجي في هذه المرحلة العُمرية المفصلية يكشف أن الأمر ليس زوالاً للمشاعر أو قسوة طارئة، بل هو إعادة هيكلة شاملة للأولويات والنفسية الأنثوية.

تفكيك الدوافع والمسببات الخفية خلف هذا التحول يضعنا أمام أبعاد عدة:

1. الانقلاب الهرموني وأثره العصبسي

تخوض المرأة في سن الخمسين تقريباً مرحلة “سن الأمل” (انقطاع الطمث)، حيث يشهد جسدها انخفاضاً حاداً في مستويات هرموني “الإستروجين” و”البروجسترون”. هذه التغيرات ليست مجرد مسألة توقف للوظيفة الإنجابية، بل هي إعادة ضبط للجهاز العصبي والنفسي. يرافقه أعراض مثل الهبات الساخنة، اضطرابات النوم، والتقلبات المزاجية، مما يستنزف جزءاً كبيراً من طاقتها اليومية ويجعل استجابتها العاطفية المباشرة أكثر تحكماً وميلاً نحو السكون.

2. سيكولوجية “إعادة اكتشاف الذات” (Self-Reclamation)

قضت المرأة عقود العشرينيات، الثلاثينيات، والأربعينيات من عمرها في العطاء المتواصل: رعاية الأبناء، إدارة البيت، واستنزاف المشاعر في تفاصيل واحتياجات الآخرين. بعد الخمسين، ومع استقلال الأبناء وغالباً استقرار العائلة، تحس المرأة برغبة لا شعورية في “الاسترداد الذاتي”. تتوقف عن لعب دور “المعطاء الأول بلا حدود”، وتبدأ في الالتفات لنفسها، صحتها، وراحتها الذهنية. ما يراه الزوج بروداً، هو في الحقيقة صمتٌ استرجاعي لتضميد سنوات طويلة من بذل الطاقة.

3. النضج المعرفي وغياب “الدراما” العاطفية

تتغير نظرة المرأة بعد الخمسين للحب والعلاقات بشكل عميق؛ فالمرأة في هذه المرحلة تفقد الشغف المفرط بالصراعات العاطفية، العتاب المتكرر، أو مطاردة المشاعر الاستعراضية التي كانت تخوضها في الشباب. تبحث عن “السكينة” والسلام الداخلي بدلاً من الصخب. أصبح الحب لديها يعني الاحترام، الأمان الجسدي، والرفقة الهادئة دون حاجة إلى المبالغات اللفظية أو الاندفاعات العاطفية الاستنزافية.

4. التراكمات النفسية المسكوت عنها

إذا كانت العلاقة الزوجية عبر السنين قد شهدت إهمالاً، تقليلاً من القدر، أو جفاءً ممتداً من طرف الزوج، فإن المرأة غالباً ما تتسامح أو تتغاضى خلال سنوات الشباب من أجل بناء الأسرة وتنشئة الأبناء. لكن بعد الخمسين، يسقط هذا الدافع القسري؛ فتظهر التراكمات النفسية القديمة على شكل زهد عاطفي ورغبة في وضع مسافة أمان تحميها من ألم جديد، فتكتفي بالحد الأدنى من التواصل السطحي.

كيف يُدار هذا التحول بحكمة؟

  • فهم الشريك: على الزوج أن يستوعب أن زوجته لا تكرهه ولا ترفضه، بل هي تخوض مرحلة احتياج شديد للهدوء، الدعم المعنوي، والتقدير لرحلة عطائها.
  • الحوار الصريح دون صدام: التواصل حول الاحتياجات الجديدة، وتوفير بيئة خالية من الضغوط واللوم الدائم.
  • الاهتمام بالصحة الشاملة: ممارسة الرياضة، العناية بالتغذية، والاستعانة بالاستشارات الطبية أو الهرمونية إذا كانت الأعراض الفسيولوجية تُعكر صفو استقرارها النفسي.

إن “البرود العاطفي” بعد الخمسين ليس نهاية المطاف، بل هو دعوة لإعادة تعريف الحب والرفقة الزوجية؛ تحولٌ من شغف الصبا الفوار إلى مودّة ونضج أكثر عمقاً ورقيّاً، حيث يصبح الأمان والسكينة هما العنوان الأبرز للاستقرار.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك