لماذا نحن هنا؟ .. معمل العبث الجميل!
جميل مرتضى
منذ أن وجد الإنسان نفسه موطوء القدمين على هذا الكوكب، وهو يمارس هوايته المفضلة في تعقيد السهل وتعميق السطحي. يعقد الاجتماعات، ويؤلف الكتب، وينشئ المعاهد، ويكتب الأطروحات المجلدة لمناقشة سؤالٍ واحد يجلجل في الآفاق: «لماذا نحن هنا؟»
لو سألتَ فيلسوفاً إغريقياً قدامى لقال لك بنبرة حزينة: “نحن هنا للوصول إلى الحقيقة مطلقها”، ولو سألتَ مفكراً معاصراً لأجابك بجملة مبهمة تتضمن كلمات مثل “الوجودية” و”الماهية” و”الصيرورة” كأنه يقرأ شفرة سحرية! غير أن كل هذه التنظيرات الفخمة سريعان ما تتهاوى كقصور من ورق حين تنظر إلى الواقع بنظرةٍ واقعية متجردة ومستغبية!
لماذا نحن هنا حقاً؟
نحن هنا —على الأغلب— لكي نركض طوال اليوم في السعي وراء أوراقٍ نقدية نشتري بها أطعمة نحتاج بعدها إلى حمية مجهدة للتخلص منها!
نحن هنا لكي ندفع اشتراك الإنترنت، ثم نقضي ثماني ساعات متواصلة في مشاهدة مقاطع فيديو لقططٍ تندهش من الخيار، أو متابعة شخصٍ يسجل مقطعاً يشرح فيه كيف تفتح الحنفية بالشكل الصحيح!
تأمل معي هذا العبث العالي الكفاءة: تستيقظ في السابعة صباحاً على صوت منبهٍ مزعج اخترعته بنفسك لتستيقظ من نومٍ كنت تحتاج إليه أساساً لتتغلب على إرهاق اليوم السابق! ترتدي ملابس رسمية كاشحة لتذهب إلى مكانٍ تدعوه “العمل”، وتجلس أمام شاشة تتأمل مستنداً ملوناً بلون أسود وأبيض، ثم تناقش زملائك بأعلى درجات الجدية والصرامة حول ما إذا كان يجب وضِع هذه النقطة في أول السطر أم في آخره!
نحن هنا لكي نجادل جارنا في العمارة حول من ترك باب المصعد مفتوحاً، ولكي نقضي أعمارنا في البحث عن الفردة الثانية من الجورب التي تختفي دائماً في ظروف غامضة داخل الغسالة وتذهب إلى البعد الرابع!
إن الكارثة الكبرى هي أن الإنسان يرفض الفكرة البسيطة؛ يرفض أن يقتنع بأنه هنا لكي يستمتع بجرعة شاي دافئة تحت شمس الصباح، أو لكي يضحك على نكتة سخيفة مع صديق قديم. إنه يصرّ على أن يكون لربطة عنقه ولدقيقة تأخره عن الحافلة “مغزى كونيٌّ عميق” تخوض لأجله المجرات حرباً كلامية!
يا صديقي، إذا سألك أحدهم مجدداً بوجومٍ وفلسفة: “لماذا نحن هنا؟”.. لا ترهق عقلك بالبحث في كتب أفلاطون أو ديكارت. ابتسم له ببراءة متناهية، وارشف ششفة من قهوتك، وقل له بثقة: — “نحن هنا لكي ننتظر أن يبرد الفنجان، ونسأل بعضنا نفس هذا السؤال السخيف حتى يحلّ موعد العشاء!”
استرح من عناء الفلسفة.. فالوجود أقصر بكثير من أن نقضيه في البحث عن سبب وجودنا!
جميل مرتضى



إرسال التعليق