فقه السياق وتنوع المصاديق: كيف نفهم اختلاف المفسرين في القرآن الكريم؟
راوي عبيد
تتداول منصات التواصل الاجتماعي بين الحين والآخر بعض الرسوم والتصاميم التي تحاول التشكيك في فصاحة القرآن الكريم أو تماسك التفسير المأثور، مستدلة بوجود أقوال متعددة للمفسرين في الآية الواحدة. والواقع أن مثل هذه الشبهات المنقوصة تنم عن سطحية في القراءة، وجهل مركب بطبيعة اللسان العربي المعجز. ولعل أبسط طريقة لتفكيك هذا الوهم وتوضيح الحقيقة هي العودة إلى القواعد الذهبية لعلوم اللغة وعلم التفسير، والتي تبين أن هذا الاختلاف ليس تضاداً أو جهلاً، بل هو ثراء وتنوع.
عبقرية اللسان: كيف يحدد السياق معنى الكلمة؟
لفهم هذه المسألة بوضوح، يمكننا إسقاط الأمر على مثال بسيط من واقعنا اليومي الدارج. إذا أخذنا كلمة مثل (العِدّة)، فما الذي تعنيه؟ أصل الكلمة اللغوي معروف، وهو: “الأدوات أو الأجهزة اللازمة لإنجاز وإعداد عمل معين”.
لكن، لو جمعنا مجموعة من أصحاب المهن المختلفة في غرفة واحدة وسألناهم عن معناها، لتبدلت الإجابة حسب مرجعية كل فرد وسياق بيئته:
- عند السباك أو الميكانيكي: “العدة” هي المفك، الشاكوش، والمفتاح الفرنساوي.
- عند الحلاق: هي المقص، والمشط، وماكينة قص الشعر.
- عند القهوجي: هي الكنكة، والسكر، والفحم، والبن.
- في سوق الهواتف: “العدة” تعني جهاز الهاتف المحمول نفسه.
هذا التباين في الإجابات لا يعكس تناقضاً بين هؤلاء الأشخاص، ولا يعني أنهم يجهلون أصل الكلمة، بل يوضح أن كل شخص نطق الكلمة نفسها، ثم أسقطها على النموذج التطبيقي الخاص ببيئته وسياقه المستعمل، مع اتفاق الجميع على المعنى الكلي العام.
اختلاف أهل التأويل: تنوع وإثراء لا تعارض وتضاد
بناءً على هذا التأصيل اللغوي، يتضح لنا أن طبيعة “اختلاف أهل التأويل” في تفسير آيات الكتاب الحكيم تندرج في معظمها تحت ما يُسمى علمياً بـ (اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد). فحين تقرأ في كتب التفسير عبارة مثل “اختلف أهل التأويل في معنى كذا”، فإن هذا لا يعني وجود تعارض حقيقي أو جهل بالمعنى، بل هو تعبير عن المسمى الواحد من خلال ذكر لوازمه ومصاديقه وتطبيقاته.
ولعل أبرز مثال يوضح هذه القاعدة هو تفصيل العلماء في تفسير قوله تعالى في سورة الفلق: {وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ}.
من الناحية التركيبية واللغوية، الكلام مفهوم للعربي بلا خلاف:
- غاسق: يعني شديد الظلمة.
- وَقَبَ: تعني دخل واستقر.
- المعنى الكلي: الظلمة الشديدة إذا دخلت وعمّت المكان.
ومع وضوح هذا الأصل، تنوعت عبارات المفسرين في تحديد المراد الدقيق بـ (الغاسق) بناءً على لوازم الظلمة ومظاهرها:
| قول المفسرين | المستند والوجهة التفسيرية | علاقتها بالمعنى الكلي (الظلمة) |
|---|---|---|
| هو الليل إذا أظلم | النظر إلى الأصل والأهم، فالليل هو الوعاء الطبيعي للظلمة، وفيه تنتشر الهوام وأهل الشر. | هو الظرف الزمني المحتضن للظلمة. |
| هو القمر | مستند إلى الحديث الصحيح عن عائشة رضي الله عنها، أن النبي ﷺ أخذ بيدها فنظر إلى القمر وقال: “استعيذي بالله من شر هذا، فإنه الغاسق إذا وقب”. | القمر هو آية الليل، وغسوقه أو كسوفه يذهب بنوره ويأتي بالظلمة. |
| هي الثريا أو النجم إذا سقط | استند إلى أن مغيب بعض النجوم أو سقوطها يكون إيذاناً بحلول الظلام الحالك. | علامة كونية تدل على بدء وانتشار الظلمة. |
النتيجة الحاصلة: القرآن بلسان عربي مبين
إن التدقيق في هذه الأقوال يؤول بنا في النهاية إلى مصب واحد، وهو أن جميع تلك التفسيرات تعود إلى المعنى الكلي المشترك في لغة العرب: (الظلمة وما يتصل بها). فتسمية الليل، أو القمر، أو النجم بالغاسق هي دلالات متكاملة تتضافر لتجلي المعنى وتوسيع مداركه، وليست أقوالاً متناقضة تلغي بعضها بعضاً؛ فالقمر سلطان الليل، وسقوط النجم إيذان بظلمته، والليل هو وعاء تلك الظلمة.
إن القرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين، والاختلاف بين المفسرين الأوائل لم يكن يوماً نابعاً من جهل بأصل الكلمات أو غموض في عروبتها، وإنما كان اختلافاً في سعة استيعاب السياق وتحديد المراد والأفراد والمصاديق التي تشملها الآية، وهو ما يمنح النص القرآني مرونته الإعجازية وصلاحيته لكل زمان ومكان، بعيداً عن قصر الفهم الذي يقع فيه بعض الهواة على شبكات التواصل.



إرسال التعليق