معركتنا الحقيقية
معركتنا الحقيقية
رشيد مصباح (فوزي)
–
سمحت لنا وسائل التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها يوتيوب، أن نطلّ على حياة الأمم والشعوب في مختلف ربوع العالم، وأن نرى كيف يعيش الآخرون، ونكتشف حجم الفوارق بيننا وبينهم.
فالكتب، على اختلاف ألوانها و مشاربها، لم تكن قادرة على أن تفعل ما يفعله صُنّاع المحتوى اليوم. لقد أصبحت الصورة أبلغ من الكلام، والمشهد أكثر قدرة على إقناعنا من عشرات الكتب.
لكن المغزى من هذا الكلام ليس الإشادة بالوسيلة العصرية، ولا بمستخدميها، وإنما لفت الانتباه إلى التباين الثقافي والحضاري الكبير بين شعوب العالم.
فقد نكتشف أننا لا نتشابه إلّـا في كوننا بشرًا، بينما الاختلاف في طريقة العيش والتفكير واستثمار الإمكانات يكاد يكون فاضحًا.
هناك أقوام ما زالوا يعيشون حياة بدائية في جزر معزولة، بعيدة كل البعد عن ضجيج الحضارة، وهناك في المقابل من يعيشون في عالم يكاد يكون خياليًا، تتحكّم فيه الروبوتات والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة.
لكن القاسم المشترك بين هؤلاء وهؤلاء هو الوقت.
أو لنقل: الزمن.
غير أن مفهوم الوقت نفسه يختلف من بيئة إلى أخرى.
فالوقت عند الشعوب التي أدركت قيمته لا يُقدّر بثمن. ويبدو التنافس بينها وبين الزمن شديدًا؛ فهي تحاول أن تستثمر كل دقيقة، وأن تختصر الطريق، وأن تقلّل من كل ما يستهلك العمر دون فائدة؛ حتى النوم، وهو ضرورة لا غنى عنها، أصبح في بعض المجتمعات يُنظر إليه من زاوية تنظيم الوقت واستثماره، لا باعتباره ساعات ضائعة.
أما في المجتمعات التي لم يتبلور فيها هذا الوعي بالوقت، فإنه يبدو أحيانًا وكأنه شيء رخيص، بل عبء ينبغي التخلص منه. ولهذا نجد في بعض أدبياتها وممارساتها اليومية تعبيرات من قبيل ”قتل الوقت“، و”تمضية الوقت“، و”تضييع الوقت“، وكأن المشكلة ليست كيف نستثمر الزمن، وإنما كيف نتخلّص منه.
فتكثر وسائل اللهو والترفيه، ليس باعتبارها جزءًا طبيعيًا من الحياة فحسب، وإنما باعتبارها وسيلة للهروب من الوقت نفسه.
وهذا يتجسد عندنا في صور كثيرة؛ نشتغل ببعضنا، وبالكلام الكثير، وباللّغو، وبالأحاديث التي لا تنتهي ولا تقود إلى شيء.
وتتجسّد الظاهرة في الإدمان على الجلوس في المقاهي؛ فمن الناس من يمكن أن يمضي يومه كله جالسًا، يلوك الكلام، ويناقش كل شيء تقريبًا، من السياسة إلى الرياضة، ومن أسعار الخضر إلى أحوال العالم!
ولا حاجة بي إلى الحديث عن مدمني ألعاب الورق والدومينو، الذين يستطيع بعضهم أن يمنح ساعات طويلة من عمره لطاولة لا تقدم له في النهاية سوى نتيجة مباراة جديدة وموعد آخر.
والأمر لا يتوقّف عند هذا المستوى.
انظر إلى بعض إعلامنا: كم من الوقت يُستهلك في الإشهارات التافهة والبرامج الخفيفة والمحتويات التي لا تضيف شيئًا حقيقيًا إلى حياة الإنسان؟
ثم قارن ذلك بإعلام في دول تنظر إلى وقت مواطنيها باعتباره جزءًا من ثروتها الوطنية.
كل شيء يمكن تعويضه تقريبًا… إلّـا الوقت.
يمكن أن تخسر المال ثم تستعيده.
يمكن أن تفقد شيئًا فتشتري غيره.
يمكن أن تخسر فرصة فتأتي فرصة أخرى.
لكن الدقيقة التي عبرت لن تعود، واليوم الذي مضى لن تستطيع شراءه ولو امتلكت خزائن الأرض.
ولذلك استقطب الوقت اهتمام الفلاسفة والمفكرين والأدباء والعلماء.
حاول بعضهم فهمه، وحاول آخرون تفسيره، ووضع أينشتاين نظرياته التي غيّرت فهم الإنسان للزمان والمكان، بينما جعل الأدب والسينما والخيال العلمي من الزمن مادة خصبة للحكايات والأسئلة والافتراضات.
هناك من تخيّل السفر عبر الزمن، وهناك من حاول أن يفهم طبيعته، وهناك من جعل منه بطلًـا لأعمال أدبية وسينمائية كاملة.
أما نحن، فكأننا لم نتعلم من الزمن إلّـا التحسّر عليه..
نجلس في المقاهي، ونتحدث عن الماضي، ونترحّم على الأيام الخوالي..
ونظل نتحسّر ونتأسّف، بينما الوقت نفسه ينفلت من بين أيدينا ونحن لا نشعر.
وهنا تحضرني نكتة قديمة، لا أعرف مدى صحّة تفاصيلها، لكنها تحمل مفارقة ساخرة تختصر شيئًا من الفكرة.
يُقال إن أحد عناصر المخابرات السوفياتية، الـ KGB، أُرسل في مهمة إلى إحدى الدول الإسلامية بهدف إبعاد الناس عن دينهم.
وبعد أن أنهى مهمته، عاد إلى بلاده.
لكن المفاجأة أنه عاد شخصًا آخر تمامًا!
كان يرتدي لباسًا يشبه لباس بعض السلفيين المتشددين: قبعة وقميصًا ولحية طويلة، وفي فمه عود أراك.
نظر إليه زملاؤه باستغراب وسألوه:
ما الذي حدث لك؟ أرسلناك لتُبعد الناس عن دينهم، فإذا بك تعود إلينا على هذه الهيئة!
فأجابهم:
أرسلتموني كي أُفسد الناس عن دينهم، لكنني بعدما رأيتُ ما رأيتُ منهم، آمنتُ بأن هناك ربًّا يرزق الجميع!
ثم تابع كلامه:
فهم يمضون أوقاتهم في المقاهي والمساجد، ومع ذلك يأتيهم رزقهم من حيث لا أدري!
قد تكون النكتة ظالمة في تعميمها، وقد تكون مبالغًا فيها، لكنها تضع إصبعها على مفارقة تستحق التأمّل:
أن نؤمن بأن الرزق مقدّر، لا يعني أن العمر بلا قيمة.
وأن التوكّل لا يعني التواكل وتعطيل العمل.
وأن الإيمان بالقدر لا ينبغي أن يتحوّل إلى ذريعة لتبديد الوقت.
فالله أعطانا العمر، وأعطانا العقل، وأعطانا القدرة على الاختيار، ثم ترك لنا مسؤولية ما نفعل بهذه النعمة.
ولعل معركتنا الحقيقية ليست مع الآخرين كما نتوهّم؛ ليست معركة بيننا وبين الشرق أو الغرب.. وليست معركة بين جيل وآخر.. وليست حتى معركة مع التكنولوجيا. معركتنا الحقيقية مع الطريقة التي نتعامل بها مع أعمارنا.
فالأمم لا تتقدم لأنها تملك وقتًا أكثر منا. كلنا نملك أربعًا وعشرين ساعة في اليوم؛ الفقير والغني، المتعلم والأمي، المتقدم والمتخلف، العالم والجاهل… الفرق ليس في عدد الساعات. الفرق في ماذا نفعل بها.



إرسال التعليق