هل نحن فرنسيون؟ طبعًا لا… فلماذا نصرّ على أن نكون كذلك؟

هل نحن فرنسيون؟ طبعًا لا… فلماذا نصرّ على أن نكون كذلك؟

رشيد مصباح (فوزي)

هل نحن فرنسيون؟
طبعًا لا.

فلماذا نحرص كل الحرص على أن نكون كذلك؟ ولماذا نبدو، في بعض الأحيان، أكثر تمسّكًا بالفرنسية من الفرنسيين أنفسهم؟

وما لنا ولهؤلاء الفرنسيين؟ وما حاجتنا إلى لغتهم التي يراد لها أن تبقى جاثمة على ألسنتنا وعقولنا، وكأن تاريخنا لا يكتمل إلّـا بها؟

فتحتُ عينيّ على الشاوية؛ فالأب شاوي، والأم كذلك، والمجتمع والبيئة والقبيلة والحي، وحتى القرية التي نشأتُ وترعرعتُ فيها، كانت محسوبة على الشاوية.

كنتُ «متلّغ»، بمعنى أنني لا أعرف سوى الشاوية.

لكنني ما كدتُ أبلغ الرابعة من عمري حتى وجدت نفسي في الكتّاب أمام «الطالب»، كما كنا نسمي الشيخ.

وهناك بدأت علاقتي بالعربية.

ولو كان الأمازيغ، أو «البربر» ـ سمّهم كما شئت ـ يكرهون العربية، كما يروّج لذلك بعض «المستغربين»، لما حرصوا أشد الحرص على إرسال أبنائهم، وهم أطفال في سنٍّ مبكّرة، إلى الكتاتيب؛ ليس لتحفيظهم القرآن فحسب، وإنما لتعليمهم اللغة العربية أيضًا.

فالعربية «الفصحى» لم تدخل إلى بيوت أجدادنا باعتبارها لغة غريبة عنهم، وإنما دخلت إليها مع القرآن والدِّين والعلم، وأصبحت جزءًا من تكوين أجيال كاملة.

والعربية لغة شرّفها الله بالقرآن الكريم، ولها مكانتها الراسخة في وجدان هذه الأمة. ومن يقول غير ذلك، فهو إما يجهل تاريخها ومكانتها، أو يتعامل معها بعين الحسد والخصومة.

أما مسألة التمسّك باللهجة المحلية، فهذه مسألة أخرى، تتطلب شيئًا من التجرّد عن الخلفيات السياسية والاجتماعية والدينية، والنظر إليها من زاويتها الثقافية والإنسانية البحتة.

فاللهجة تعني الهوية والانتماء.

ولا يمكن فصل الإنسان عن البيئة التي نشأ وترعرع فيها لمجرد فكرة عابرة أو نزعة أيديولوجية طارئة.

اللهجة ليست مجرّد وسيلة تخاطب، بل هي وعاء يحمل أنماط الحياة كلها: المشاعر، والذاكرة، والبيئة، والتاريخ، والأمثال، والعادات، وأصوات الآباء والأجداد.

ولهذا فإن محاولة اقتلاعها من وجدان الناس مساس بجزء من ذاكرتهم.

لكن التمسك باللهجة المحلية لا يعني الانغلاق.

وهنا تأتي المسألة الثانية، وتتمثّل في: «ضرورة الانفتاح.»

نعم، علينا أن ننفتح على اللغات الأخرى، لأن العالم لم يعد يسمح لشعب بأن يعيش منعزلًـا داخل لغته وحدها.

نحتاج إلى الإنجليزية، وإلى غيرها من اللغات، بحسب حاجاتنا العلمية والاقتصادية والثقافية والمهنية.

أما الجدل الذي أخذ منحى تصاعديًا في الآونة الأخيرة، وتزامن مع التوجّهات التي عبّر عنها وزير التربية، فلا يمكن فهمه بعيدًا عن السؤال الحقيقي:

لماذا كل هذا الإصرار على الفرنسية، ولماذا كل هذه الحساسية تجاه أي نقاش حول موقعها في المدرسة والمجتمع؟

لا نجد مبرّرًا لكل هذه العدوانية، ولا لهذا الغلو في الدفاع عن الفرنسية، وكأن المساس بمكانتها مساس بثوابت الأمة.

فالفرنسية، مهما حاول البعض تجميل صورتها، ليست لغة وطننا الأصلية، ولا تعبّر عن هويتنا أو أصالتنا أو معتقداتنا كجزائريين.

ووجودها في الجزائر ليس وليد اختيار حرّ نشأ في ظروف طبيعية؛ فقد فُرضت على الجزائريين ”عنوة“، ومن طرف أجانب غزاة، حاولوا بكل ما أتوا من قوّة وبطش إبادة شعب أعزل واستبداله بشعوب أخرى من الفرنسيين ومرتزقة من مختلف الجنسيات، مثلما فعلوا ذلك في الأمريكيتين، مع الهنود الحمر، السكان الأصليين.

ولذلك لا يمكن مطالبتنا بأن نتعامل مع تاريخ الفرنسية في الجزائر كما لو أنه تاريخ لغة أجنبية دخلت بلادنا في ظروف بريئة ومحايدة.

لقد كان الاستعمار مشروعًا للسيطرة، وكانت اللغة إحدى أدواته.

ومن هنا، فإن الدفاع عن الفرنسية يعتبر في حد ذاته جريمة؛

فحين يتجاوز الأمر إلى حد الدفاع عن هيمنة الفرنسية، أو تقديمها باعتبارها لغة التفوّق والرّقي، أو التقليل من شأن العربية، أو النظر إلى الجزائري الذي لا يتحدّثها باعتباره أقل شأنًا، فهنا يصبح الأمر مختلفًا تمامًا.

هنا لا تعود المسألة مسألة لغة.

هنا تصبح المسألة مسألة هوية وذاكرة وسيادة ثقافية.

والأخطر من ذلك أن يتحوّل بعض «المستغربين» إلى مدافعين عن الفرنسية أكثر من الفرنسيّين أنفسهم، وأن تصبح كل محاولة لاستعادة التوازن اللغوي في الجزائر مناسبة لشن حملات من التخوين والسخرية والتشكيك.

هؤلاء لا ينبغي أن يُواجَهوا بالصمت.

ولا ينبغي للدولة أن تتعامل مع كل خطاب من هذا النوع باعتباره مجرد اختلاف عابر في الرأي، خصوصًا عندما يتحوّل إلى تحريض على مؤسسات الدولة أو إلى ازدراء ثابت للغة الوطنية أو إلى محاولة منظمة لفرض تصور ثقافي يناقض مقومات المجتمع.

المطلوب هو المتابعة القانونية والمؤسساتية لكل تجاوز يثبت أنه يتجاوز حدود الرأي والتعبير إلى أفعال مخالفة للقانون، مع تركيز المساءلة على الفعل الموثّق لا على مجرد الانتماء الثقافي أو استعمال لغة أجنبية.

فالجزائر ليست مطالبة بمحاربة الفرنسية، لكنها مطالبة أيضًا بألّـا تسمح بأن تتحوّل الفرنسية إلى سلطة رمزية فوق العربية، ولا بأن يتحوّل الدفاع عنها إلى وسيلة لاحتقار هويّة الجزائريين أو التشكيك في حقّهم في استعادة توازنهم اللغوي.

إن من حق الجزائري أن يسأل:

لماذا الفرنسية؟ ولماذا بهذا الحجم؟ ولماذا هذه الحساسية المفرطة كلما طالب أحد بإعادة النظر في مكانتها؟

وإذا كان من حقنا أن ننفتح على العالم، فمن حقنا كذلك أن نختار أدوات هذا الانفتاح بما يخدم أبناءنا ومستقبلهم.

لسنا فرنسيين.

ولا نحتاج إلى أن نكون فرنسيين حتى نكون متحضّرين.

ولا نحتاج إلى أن نتحدّث بلغة الآخر حتى نثبت أننا نفهم العالم.

إرسال التعليق