فنجان قهوة افتراضية …مع الداعية الهمام دريد إبراهيم الموصلي بمقهى الماسنجر الثقافي (حلقة 2)
س8- لنمر سريعا على كتابك البديع الآخر : ” الأربعون القرآنية من كلام خير البرية”، فهل تناول هذا الكتاب الربط بين الأحاديث القدسية والنبوية مع مضمون وتعاليم وأحكام الآيات القرآنية ..أم ماذا تحديدا؟
-في الحقيقة، الكتاب لا يقوم على الربط بين الأحاديث القدسية والنبوية وبين مضامين الآيات القرآنية على النحو الذي قد يوحي به العنوان، وإنما فكرته أبسط من ذلك وأقرب إلى التحفيز على صحبة كتاب الله تعالى.
فقد اخترت فيه أربعين حديثا نبويا صحيحا تتعلق بالقرآن الكريم؛ في فضله، وفضل تلاوته، وحفظه، وتعلمه وتعليمه، وتعاهده، والعمل به، وما أعده الله لأهله من فضل.
ثم شرحت كل حديث شرحا يسيرا مبسطا، بعيدا عن الاستطراد والتفصيل العلمي المطول؛ لأن غايتي من الكتاب لم تكن تقديم دراسة حديثية موسعة، وإنما أن أضع بين يدي القارئ أربعين نافذة من كلام النبي ﷺ تطل به على عظمة القرآن ومكانته في حياة المسلم.
وأردت من القارئ ألا يمر على أحاديث فضائل القرآن باعتبارها نصوصا نعرفها ونكررها فحسب، بل أن يسأل نفسه بعد كل حديث:
ما نصيبي من هذا الحديث؟
فإذا قرأ في فضل التلاوة، نظر في ورده.
وإذا قرأ في فضل تعلم القرآن وتعليمه، سأل نفسه عما يبذله في هذا الباب.
وإذا قرأ في تعاهد القرآن، راجع علاقته بمحفوظه.
وإذا قرأ فيما ينبغي أن يصنعه القرآن في صاحبه، انتقل من مجرد الحفظ والتلاوة إلى العمل والاهتداء.
ولهذا يمكنني أن ألخص رسالة “الأربعون القرآنية من كلام خير البرية” بأنها:
أربعون حديثا صحيحا، بشرح سهل ومختصر، أريد بها أن يخرج القارئ وهو أشد شوقا إلى القرآن، وأكثر تعلقا بتلاوته وحفظه وتعلمه والعمل به.
فالكتاب في جوهره كتاب تحفيز وتذكير وتربية على صحبة القرآن من خلال ما صح عن رسول الله ﷺ في شأن كتاب الله تعالى.
س9 – سبق لكم وأن طرحتم العديد من التساؤلات الحائرة على جمهوركم الكريم وذلك من خلال حلقاتكم المتتالية على قناتكم في اليوتيوب،ولعل أشد ما لفت انتباهي منها هو” موانع تدبر القرآن …لماذا نقرأ ولا نتغير؟ لماذا نستغفر ولا نعتبر ؟ لماذا ندعو ولا يستجاب لنا ؟ ونحوها من أسئلة وجدانية وعاطفية تجهد تفكير الكثيرين وترهق أذهانهم، فما هي خلاصة الإجابات عليها لمن فاتته المشاهدة ، أو لمن لم يتسن له ذلك ؟
-هذه الأسئلة لم أطرحها لأزيد الناس حيرة، وإنما لأوقظ فيهم سؤالا أراه من أهم أسئلة التدين:
لماذا نعرف كثيرا، ونقرأ كثيرا، ونسمع كثيرا، ولكن قد يكون التغيير أقل بكثير مما نعرف ونقرأ ونسمع؟
نحن نعيش في زمن لم تعد فيه المشكلة دائما ندرة المعلومة الدينية. بين يدي الإنسان اليوم آلاف الدروس والمحاضرات والتفاسير والمواعظ، ويمكنه خلال دقائق أن يصل إلى ما كان طالب العلم يقطع المسافات للحصول عليه.
ومع ذلك يبقى السؤال:
هل ازدياد المعلومات يعني بالضرورة ازدياد الهداية في السلوك؟
والجواب: لا.
لأن المعرفة باب، وليست نهاية الطريق.
لماذا نقرأ القرآن ولا نتغير؟
ليس لأن القرآن لا يؤثر، حاشاه، وإنما لأن هناك فرقا بين مرور القرآن على العين واللسان، ودخوله إلى القلب وتحوله إلى موقف وعمل.
قد يقرأ الإنسان آيات الكبر وهو يبحث عن المتكبرين حوله.
ويقرأ آيات الحسد وهو يفكر فيمن يحسده.
ويقرأ آيات الظلم ولا يتذكر إلا من ظلمه.
ويقرأ آيات التوبة وهو يؤجل توبته.
وهكذا يصبح القرآن مرآة نضعها أمام الآخرين، بينما أنزلها الله هداية لنا جميعا.
ومن موانع التدبر كذلك: القراءة المستعجلة، والذنوب، والغفلة، والإصرار على الهوى، والانشغال بالبحث عن الغريب والمدهش، والقراءة بلا فهم، أو الفهم بلا محاسبة، أو التأثر اللحظي الذي لا يعقبه قرار.
ولهذا أكرر:
لا تسأل فقط: كم قرأت من القرآن؟
اسأل: ماذا فعل القرآن بي؟
قد تكون آية واحدة فهمتها ووقفت عندها وغيرت بسببها خلقا فيك أعظم أثرا في حياتك من صفحات كثيرة مررت عليها وقلبك في مكان آخر.
ولماذا نستغفر ولا نعتبر؟
لأن الاستغفار قد يتحول أحيانا إلى حركة لسان لا يصاحبها حضور قلب ولا مراجعة طريق.
والاستغفار عبادة عظيمة، ولا ينبغي أن نقلل من شأن ذكر الله باللسان، لكن كمال الاستغفار ليس أن تقول: “أستغفر الله” ثم تصر على الطريق نفسه وأنت لا تريد مغادرته.
هناك فرق بين مذنب يضعف ثم يندم ويستغفر ويجاهد نفسه، وقد يعود إلى الذنب مرة أخرى من ضعفه، وبين إنسان جعل الاستغفار مسكنا للضمير حتى يستمر في المعصية مطمئنا.
الأول يجاهد.
والثاني قد يكون يبرر.
ولذلك ليست القضية: هل وقعت مرة أخرى؟
بل:
ماذا يحدث في قلبك بعد أن تقع؟
هل يؤلمك الذنب؟
هل تعود إلى الله؟
هل تبحث عن أسبابه ومداخله؟
هل تغلق الأبواب التي تعيدك إليه؟
هل ترى في كل سقطة درسا يجعلك أعرف بضعفك وأشد افتقارا إلى ربك؟
فالاستغفار الحقيقي لا يجعلك معصوما من أن تضعف مرة أخرى، ولكنه يمنعك من أن تتصالح مع الذنب.
أما سؤال: لماذا ندعو ولا يستجاب لنا؟
فأنا أتحفظ أولا على صياغة “لا يستجاب لنا”.
لأننا لا نملك أن نجزم أن الله لم يستجب لمجرد أننا لم نحصل على الصورة التي طلبناها وفي الوقت الذي حددناه.
النبي ﷺ بين أن دعاء المسلم لا يضيع؛ فقد يعجل الله له ما سأل، وقد يدخر له، وقد يصرف عنه من السوء بسببه.
وهنا تعلمت أن من أخطر الأخطاء أن نحول الدعاء إلى معادلة:
دعوت = يجب أن أحصل الآن على ما طلبت.
الدعاء عبادة قبل أن يكون طلبا.
وأنت حين تدعو لا تتعامل مع قوة تنفذ رغبتك، وإنما مع رب حكيم رحيم يعلم وأنت لا تعلم.
قد تطلب شيئا وتراه الخير كله، والله يعلم أن الخير في تأخيره.
وقد يكون الخير في صرفه عنك.
وقد يعطيك الله ما طلبت، ولكن بعد أن يهيئك له.
وقد يمنع عنك شرا لم تره أصلا.
وقد يدخر لك من دعائك ما تتمنى يوم القيامة لو أن كثيرا من دعواتك في الدنيا لم تعجل لك.
وهذا لا يعني أنه ليست هناك موانع لإجابة الدعاء؛ فقد جاءت النصوص بالتحذير من الحرام، والاعتداء في الدعاء، والاستعجال، وغير ذلك.
لكن الخطأ أن يرى الإنسان كل دعاء تأخر مطلوبه فيقول:
لابد أن الله غاضب علي.
أو:
لابد أن عندي ذنبا منع الإجابة.
لا نملك هذا الحكم.
وقد دعا الأنبياء وانتظر بعضهم زمنا، ولم يكن تأخر المطلوب دليلا على بعدهم من الله.
وما الذي يجمع هذه الأسئلة كلها؟
في تقديري، يجمعها شيء واحد:
أننا نحتاج إلى الانتقال من شكل العبادة إلى روحها وأثرها، دون أن نهدم الشكل أو نقلل من شأنه.
نقرأ القرآن… ونحتاج أن نتدبر.
نستغفر… ونحتاج أن نتوب ونراجع أنفسنا.
ندعو… ونحتاج مع الدعاء إلى حسن الظن بالله والتسليم لحكمته.
نتعلم… ونحتاج أن نعمل.
نسمع الموعظة… ونحتاج أن نسأل بعدها: ما الخطوة التي سأغيرها؟
ولهذا فإن السؤال الذي ظل يرافقني في كثير من محاضراتي ومؤلفاتي ليس:
كم يعرف الإنسان عن دينه؟
وإنما:
كم دخل مما يعرفه إلى قلبه، وكم خرج من قلبه إلى حياته؟
فالمشكلة ليست دائما في نقص المواعظ.
قد نحتاج أحيانا إلى موعظة أقل…
ووقفة أطول أمام الموعظة التي سمعناها.
وليست المشكلة دائما أننا لم نقرأ الآية.
قد تكون المشكلة أننا قرأناها ولم نقف أمامها بما يكفي لنسمع سؤالها الموجه إلينا.
ولهذا أقول:
لا تجعل القرآن كتابا تنتهي علاقتك به عندما تغلق المصحف.
ولا تجعل الاستغفار كلمة تنتهي عندما يسكت لسانك.
ولا تجعل الدعاء علاقة تنتهي إذا تأخر المطلوب.
فالعبادات لم تأت لتملأ أوقاتنا فحسب…
بل لتبني الإنسان الذي يعبد الله في هذه الأوقات وما بينها.
وهذه عندي خلاصة تلك الأسئلة كلها:
ليس المهم فقط أن تؤدي العبادة، بل أن تبقى بعد العبادة تبحث في نفسك عن أثرها.
س10- لن أختم الحوار مع جنابك الكريم قبل أن أسألك السؤال الأجمل والأرق والأبرز عن كتابك الأشهر: (رَبـِحْتُ محمداً ﷺ وَلَمْ أَخْسَرِ المسِيحْ – قصة إسلام دريد متى بطرس- ) فضلا وليس أمرا أتمنى أن توجه كلامك تحديدا لكل من يريد أن يعتنق الإسلام العظيم في أرجاء المعمورة بصدق وإخلاص وعن قناعة، إلا أنه يخشى واهما ليستبد به القلق من أنه قد يخسر السيد المسيح عليه السلام بذلك .
-ربما يكون هذا السؤال أقرب أسئلة الحوار إلى قلبي؛ لأنه لا يسألني عن كتاب ألفته فحسب، بل عن رحلة عشتها، وعن قرار غيّر حياتي كلها.
ولذلك اسمحوا لي ألا أجيب هذه المرة عن نفسي فقط، بل أن أتوجه بالكلام مباشرة إلى كل إنسان في هذا العالم يقف اليوم حيث وقفت أنا يوما…
إلى ذلك الإنسان الذي بدأ قلبه يقترب من الإسلام، ويقرأ القرآن، ويسأل، ويبحث، وربما بدأ يقتنع…
ولكنه كلما اقترب خطوة شعر بخوف في داخله يقول له:
إذا أصبحت مسلما… فهل سأخسر المسيح؟
أقول لك من قلب إنسان عرف هذا السؤال قبل أن يكتب عنه:
لا تخف من البحث عن الحقيقة.
ولا تدخل الإسلام من أجلي، ولا من أجل مسلم أحببته، ولا بسبب خطيب أثرت فيك كلماته، ولا بسبب ظرف عاطفي عابر.
اقرأ.
واسأل.
وابحث.
وتثبت.
وادع الله بصدق أن يهديك إلى الحق، ولو كان الحق على خلاف ما اعتدت عليه طوال حياتك.
فالإيمان أعظم من أن يبنى على مجاملة، وأقدس من أن يكون ثمرة اندفاع عاطفي مؤقت.
أما خوفك من خسران المسيح عليه السلام…
فهنا أقول لك العبارة التي اختصرت بها قصة عمري:
أنا حين أسلمت لم أخسر المسيح…
أنا ربحت محمدا صلى الله عليه وآله وسلم، ولم أخسر المسيح عليه السلام.
لم يطلب مني الإسلام أن أمحو اسم المسيح من قلبي.
ولم يطلب مني أن أسخر منه أو أتنكر له أو أسيء إليه.
بل فتحت القرآن، فوجدت عيسى ابن مريم عليه السلام أمامي.
وجدت اسمه يتلى في صلاتنا وقرآننا.
ووجدت أمه مريم عليها السلام، المرأة الطاهرة المصطفاة، وقد سمى القرآن سورة كاملة باسمها: سورة مريم.
وقرأت قول الله تعالى:
﴿إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين﴾.
وقرأت عن المسيح عليه السلام:
﴿وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين﴾.
وقرأت:
﴿ورسولا إلى بني إسرائيل﴾.
وقرأت أن المسلم لا يكتمل إيمانه إذا آمن بمحمد ﷺ وكفر بعيسى أو موسى أو إبراهيم أو غيرهم من رسل الله.
وهنا حدث في داخلي تحول عميق:
اكتشفت أن السؤال الذي كان يخيفني قد صيغ في ذهني بطريقة غير صحيحة.
لم تعد المسألة عندي:
المسيح أم محمد؟
بل أصبحت:
هل أستطيع أن أؤمن بالمسيح ومحمد عليهما الصلاة والسلام، كلا منهما في المنزلة التي أنزله الله إياها؟
وفي الإسلام وجدت الجواب: نعم.
أحب عيسى عليه السلام.
وأؤمن بنبوته ورسالته ومعجزاته التي أيده الله بها.
وأؤمن بميلاده العظيم من مريم عليها السلام من غير أب.
وأدافع عن مقامه ونبوته.
ثم أؤمن بمحمد ﷺ خاتم النبيين ورسول الله إلى الناس.
فماذا خسرت من المسيح؟
لم أخسره… وإنما تغيرت معرفتي به.
انتقلت من الاعتقاد بألوهيته إلى الإيمان به نبيا ورسولا كريما من أولي العزم من الرسل، وعبدا لله تعالى.
وأعلم أن هذه الجملة قد تكون ثقيلة على إنسان نشأ منذ طفولته على عقيدة أخرى.
وأنا أحترم ثقلها عليه.
لأن تغيير المعتقد ليس تغيير كتاب على رف، ولا تغيير اسم في بطاقة.
إنه زلزال داخلي.
وربما يكون وراءه أب وأم وأسرة وذكريات وكنيسة وأعياد وطفولة وأصدقاء ومجتمع كامل.
وأعرف أن بعض الناس لا يخافون من الإسلام نفسه بقدر ما يخافون مما سيخسرونه إذا أسلموا.
قد تقول:
ماذا سيقول أبي؟
ماذا ستفعل أمي؟
هل سأخسر أسرتي؟
هل سيتركني أصدقائي؟
هل سأصبح غريبا بين الذين عشت معهم؟
وأقول لك:
لا أستخف بأي خوف من هذه المخاوف.
فأنا أعرف أن العقيدة حين تدخل حياة الإنسان لا تدخل إلى العقل وحده؛ تدخل إلى شبكة كاملة من العلاقات والذكريات والانتماءات.
لكن هناك سؤالا لا يستطيع أحد أن يجيب عنه نيابة عنك:
إذا تبين لك أن هذا هو الحق من عند الله… فماذا ستفعل؟
هنا تصبح القضية بينك وبين الله.
لا بينك وبين دريد.
ولا بينك وبين المسلمين.
ولا بينك وبين المجتمع.
بينك وبين الله.
ولهذا لا أريد منك أن تبدأ بقراءة قصتي.
ابدأ بقراءة القرآن.
اقرأه بقلب الباحث، لا بقلب من يريد أن ينتصر لما ورثه، ولا بقلب من يريد أن يهدم ما ورثه.
قل:
يا رب، إن كنت تعلم أن هذا هو الحق فاهدني إليه، ولا تجعل خوفي من الناس أكبر من رغبتي في معرفتك.
ثم اقرأ.
وحين تصل إلى عيسى ابن مريم عليه السلام، لا تمر سريعا.
اسمع ماذا يقول القرآن عنه.
واسمع ماذا يقول عن أمه.
واسمع ماذا يقول عن الأنبياء جميعا.
ثم احكم بنفسك.
وأريد أن أقول شيئا آخر لكل مسلم يقرأ هذه الكلمات:
لا تجعل سوء أخلاقك حجابا بين إنسان وبين الإسلام.
لا تطلب من المسيحي أن يقرأ جمال القرآن ثم يقرأ في معاملتك قسوة تناقضه.
ولا تحدثه عن رحمة محمد ﷺ ثم تسيء إليه لأنه لم يقتنع بعد.
ولا تسخر من معتقده ثم تطلب منه أن يستمع إليك بقلب مفتوح.
إن كنت تريد أن تدعوه إلى الإسلام، فأعنه على أن يرى الإسلام كما هو، لا كما شوهته أخطاؤنا.
أما أنت، يا من تقف اليوم على الباب…
فخذ وقتك في البحث.
ولكن كن صادقا مع نفسك.
لا تجعل الخوف دليلا.
ولا تجعل الموروث دليلا لمجرد أنه موروث.
ولا تجعلني أنا دليلا.
ابحث عن الدليل.
فأنا أيضا كان عليَّ أن أفعل ذلك يوما.
وقد فعلت.
ثم جاء يوم 23 كانون الثاني 1992…
اليوم الذي لا أعده مجرد تاريخ اعتناق دين، وإنما ميلاد آخر في حياتي.
دخلت الإسلام.
ومرت منذ ذلك اليوم أربعة وثلاثون عاما.
تعلمت فيها، وأخطأت، وأصبت، وضعفت، وقويت، ومررت بأيام عافية وأيام ابتلاء، وما زلت إلى هذه اللحظة أتعلم ديني وأكتشف مقدار جهلي.
ولكن هناك شيئا واحدا أستطيع أن أقوله لك بعد هذه الرحلة كلها:
لم أستيقظ يوما وأنا أشعر أن الإسلام أخذ مني المسيح.
بل أصبحت إذا سمعت اسم عيسى عليه السلام قلت:
نبي الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه.
وإذا سمعت اسم محمد صلى الله عليه وآله وسلم قلت:
رسول الله وخاتم النبيين.
وإذا ذكرت موسى وإبراهيم ونوحا وسائر الأنبياء عليهم السلام…
شعرت أنني أنتمي إلى سلسلة الإيمان كلها.
فالإسلام لم يعلمن أن أبني إيماني على خصومة بين أنبياء الله.
بل علمني أن أقول:
﴿لا نفرق بين أحد من رسله﴾.
ولهذا سميت كتابي:
“ربحت محمدا ولم أخسر المسيح”.
لم يكن العنوان حيلة أدبية.
كان وصفا لما حدث لي.
كنت أخشى أن يكون الطريق إلى محمد ﷺ طريقا يبعدني عن المسيح عليه السلام…
فاكتشفت أن القرآن الذي عرفني بمحمد هو نفسه الذي أمرني بالإيمان بالمسيح.
واكتشفت شيئا أعظم:
أن القضية في النهاية لم تكن محمداً أو المسيح.
القضية كانت:
من هو الله؟
وماذا يريد مني الله؟
وأي طريق أوصلني إليه كما يريد هو، لا كما أريد أنا؟
وهذا هو السؤال الذي أتركه بين يدي كل باحث صادق.
لا أسألك أن تختار بين رجلين عظيمين من رسل الله.
أسألك أن تبحث بصدق عن رب الرجلين.
فإذا عرفته كما عرّف نفسه إليك…
ستعرف أين تضع المسيح.
وستعرف أين تضع محمدا.
وستعرف أين تضع نفسك.
وحينها قد تكتشف ما اكتشفته أنا قبل أربعة وثلاثين عاما:
أنك لم تكن تبحث عن دين جديد فحسب…
كنت تبحث عن الطريق إلى الله.
س11:هل في جعبتك كتب أخرى جديدة سنراها لنستمتع بتقليب الطرف في صفحاتها، وإمعان النظر في سطورها وكلماتها في قابل الأيام ؟
-نعم، والحقيقة أن في الجعبة أكثر مما يسمح به الوقت والطاقة، وأحيانا أقول لنفسي: ليت العمر يتسع لكل ما أريد أن أكتبه!
لقد أصبحت الكتابة في السنوات الأخيرة جزءا أساسيا من رسالتي، ولا سيما أنني بت أجد فيها مساحة تسمح لي بأن أقدم الفكرة بهدوء وعمق أكبر مما تسمح به أحيانا المحاضرة أو المقطع المرئي.
وهناك مجموعة من المشروعات والكتب التي أعمل عليها أو أخطط لها، وكل واحد منها يقترب من الإنسان والقرآن من زاوية مختلفة.
منها مشروع “حتى يغيرك القرآن”، وهو من المشروعات العزيزة عليَّ؛ لأن فكرته تقوم على الانتقال من تفسير الآية وفهمها إلى التأمل في هداياتها، ثم الوقوف أمام “مرآة الواقع”، والسؤال: أين نحن من هذه الآية؟ وكيف تتحول من نص نقرؤه إلى هداية نعيشها؟
وهناك “مائة مرض في قلوبنا”، وهو مشروع أعمل عليه في أجزاء، وأحاول فيه تشريح أمراض القلب التي قد تسكن الإنسان وهو لا يشعر: من الكبر والعجب والرياء، إلى الحسد والحقد وسوء الظن والتعصب، وصولا إلى أمراض الهوى والتعلق وغيرها. وشعار الكتاب الذي يلخص فكرته:
“لا تقرأ هذا الكتاب لتبحث عن شخص تعرفه بين صفحاته؛ اقرأه وأنت تبحث عن نفسك”.
وهناك مشروعات أخرى تتصل بالسيرة النبوية، والدعاء، والطهارة، والاتباع، وتزكية القلوب، وتعليم القرآن وإتقانه، إضافة إلى أعمال قرآنية أوسع ما زالت في طور البناء والمراجعة.
لكن المشروع الأكبر الذي يشغلني، والذي أرى أن كثيرا مما أكتبه يصب فيه بطريقة أو بأخرى، هو مشروع أسميه:
“بناء الإنسان بالوحي”.
لأنني بعد سنوات من التعليم والتأليف والمحاضرات ازددت اقتناعا بأن أزمتنا ليست أزمة معلومات فقط.
نحن نملك مكتبات ضخمة، ومحاضرات لا تنتهي، ومحتوى دينيا يصل إلينا في كل ساعة…
لكن السؤال الذي يقلقني هو:
أي إنسان تصنعه كل هذه المعرفة؟
هل صنعت إنسانا أصدق؟
أرحم؟
أكثر إنصافا؟
أقل تعلقا بنظر الناس؟
أقوى أمام شهوته؟
أحسن خلقا مع أسرته؟
أشد معرفة بربه؟
وأكثر استعدادا للآخرة؟
من هنا جاء اهتمامي بفكرة بناء الإنسان بالوحي؛ لأن القرآن لم ينزل ليضيف إلى ذاكرتنا معلومات فحسب، وإنما ليعيد بناء تصوراتنا وقلوبنا وأخلاقنا وقراراتنا وعلاقاتنا بالله وبأنفسنا وبالناس.
ومع ذلك، هناك أمر أحرص عليه في كل ما أكتب:
لا أريد أن أكتب لمجرد أن يزداد عدد كتبي.
لا يعنيني أن يقال إن لي عشرات المؤلفات إذا كانت ستضاف إلى رفوف المكتبات ولا تضيف شيئا إلى حياة قارئ.
أريد، ما استطعت، أن يكون لكل كتاب سؤال حقيقي جاء ليعالجه، وجرح يريد أن يضع عليه شيئا من دواء الوحي، وباب يريد أن يفتح منه القارئ على نفسه وعلى ربه.
ولذلك فإنني أتعامل مع الكتابة بوصفها مسؤولية قبل أن تكون إنتاجا.
وقد بدأت في مرحلة من حياتي أشعر بقيمة مختلفة للكتاب؛ فالمحاضرة تنتهي، والصوت يسكت، وربما يأتي يوم لا أستطيع فيه أن أتكلم، أما الكلمة المكتوبة فقد تبقى بعد صاحبها وتصل إلى إنسان لم يره ، ولم يره صاحبها.
ولهذا أحببت أن تكون كتبي بصيغة إلكترونية متاحة مجانا، وأذنت بطباعتها وترجمتها، راجيا ألا تكون ملكا شخصيا أحرسه، وإنما صدقة جارية ينتفع بها الناس ما بقي منها شيء.
ولا أعرف كم بقي لي من العمر، ولا كم مشروعا سأستطيع إتمامه من كل ما يدور في ذهني.
لكنني أعرف ما أتمناه:
أن أكتب ما دام في الكتابة نفع، وأن أتوقف يوم تصبح فيه الكتابة مجرد رغبة في أن يبقى اسمي حاضرا.
فأنا لا أريد من القارئ حين يغلق آخر صفحة أن يقول:
ما أجمل ما كتب دريد.
بقدر ما أتمنى أن يقول:
هناك شيء في داخلي ينبغي أن يتغير.
إذا فعل كتاب واحد من كتبي ذلك بإنسان واحد …فقد بلغ عندي غايته.
س12:” مائة مرض في قلوبنا..رحلة في اكتشاف أمراض القلب وعلاجها بالوحي ” سلسلة دروس ومحاضرات قيمة بأجزاء وحلقات عدة ، فما هي أخطر هذه الأمراض ، وما هو علاجها برأيك ؟
-لو سألتموني: ما أخطر مرض من أمراض القلب المائة؟
فسأقول: قد لا يكون الأخطر اسما واحدا من هذه الأسماء.
أخطر ما يصيب القلب أن يمرض… ثم لا يرى أنه مريض.
فالحسد خطير، والكبر خطير، والرياء خطير، والحقد خطير، والتعلق بالدنيا خطير، واتباع الهوى خطير…
لكن الإنسان إذا اكتشف مرضه وتألم منه وطلب علاجه، فقد وضع قدمه على طريق العافية.
أما الخطر الحقيقي فيبدأ حين يتحول المرض في عين صاحبه إلى فضيلة.
فيصبح الكبر عنده كرامة.
والعناد ثباتا.
والحسد غيرة على الحق.
وسوء الظن فراسة.
والقسوة قوة شخصية.
والتعصب وفاء.
والانتصار للنفس دفاعا عن الدين.
وتتبع عورات الناس نصيحة.
والرياء حرصا على التأثير.
هنا يصبح العلاج أصعب؛ لأنك لا تستطيع معالجة مرض يصر صاحبه على تسميته صحة.
ولهذا كان من أخطر أمراض القلب عندي أيضا تزكية النفس؛ لأن القلب إذا اقتنع بأنه بخير، أغلق الباب الذي يدخل منه الإصلاح.
وقد يرى الإنسان عيوب عشرات الناس ولا يرى عيبا واحدا في نفسه.
يحفظ أوصاف المتكبرين، ولا يسأل: هل في قلبي كبر؟
ويقرأ عن الحسد، فيتذكر شخصا حسده.
ويقرأ عن النفاق، فيبحث عن المنافقين حوله.
ويقرأ عن الظلم، فلا يتذكر إلا الذين ظلموه.
ولهذا وضعت في صدر هذا المشروع عبارة أحب أن ترافق القارئ في كل أجزائه:
“لا تقرأ هذا الكتاب لتبحث عن شخص تعرفه بين صفحاته؛ اقرأه وأنت تبحث عن نفسك”.
فالكتاب ليس موسوعة تساعدنا على تشخيص الناس.
إنه محاولة لأن يقف كل واحد منا أمام قلبه.
وما علاج أمراض القلب؟
أول العلاج عندي هو الصدق مع النفس.
أن تكون لديك الشجاعة لتقول:
نعم، أنا أحسد.
نعم، في نفسي كبر.
نعم، أحب المدح أكثر مما ينبغي.
نعم، أجد صعوبة في الاعتذار.
نعم، أفرح أحيانا بزلة من أخالفه.
نعم، أبرر لنفسي ما أدين به غيري.
هذا الاعتراف ليس سقوطا.
بل قد يكون بداية النهوض.
ثم يأتي العلاج الأعظم: الوحي.
ولذلك لم أسم السلسلة “اكتشاف أمراض القلب” فقط، وإنما:
“رحلة في اكتشاف أمراض القلب وعلاجها بالوحي”.
فالقرآن عجيب في كشف القلب للإنسان.
يحدثك عن الكبر، والحسد، والرياء، والهوى، والنفاق، والشح، والغل، وحب الدنيا، وسوء الظن، والظلم…
لكنه لا يفعل ذلك ليعطيك قاموسا نفسيا فحسب.
إنه يكشف المرض، ويكشف جذره، ويبين عاقبته، ثم يأخذ بيدك إلى العلاج.
والسنة النبوية تكمل هذا البناء بالتوجيه العملي والتربية والمجاهدة.
لكن العلاج بالوحي لا يعني أن تقرأ آية عن المرض ثم تتوقع أن يختفي في اللحظة نفسها.
تزكية القلب رحلة.
فالذي بنى في قلبه عشرين عاما من الحسد قد يحتاج إلى مجاهدة طويلة حتى يطهر قلبه منه.
والذي عاش عمره ينتظر مدح الناس لن يتحرر من أعينهم بقراءة موعظة واحدة.
والذي اعتاد الانتصار لنفسه سيحتاج إلى مواقف كثيرة يتعلم فيها كيف يفرح بأن يكون الحق أكبر منه.
ولهذا فالعلاج يحتاج، بعد معرفة المرض، إلى مراقبة ومجاهدة وتوبة ودعاء وعمل متكرر.
إذا كان مرضك الحسد، فلا يكفي أن تعرف أن الحسد حرام؛ تعلم أن تدعو بالبركة، وأن تنسب الفضل إلى الله، وأن تراقب قلبك حين ينجح غيرك.
وإذا كان مرضك الكبر، فتعلم قبول الحق ممن جاء به، ولو جاءك ممن هو أصغر منك أو أقل منك مكانة.
وإذا كان مرضك الرياء، ففتش عن أعمال بينك وبين الله لا يعرف بها أحد.
وإذا كان مرضك الحقد، فتعلم العفو، ولا تجعل سلام قلبك رهينة باعتذار إنسان.
وإذا كان مرضك حب المدح، فاسأل نفسك بعد الثناء: هل كنت سأفعل هذا لو لم يرني أحد؟
وإذا كان مرضك التعصب، فدرب نفسك على أن تقول عن خصمك: أصاب، حين يصيب، وعن من تحب: أخطأ، حين يخطئ.
وهكذا يتحول الوحي من معلومات عن المرض إلى برنامج علاج.
وهناك أمر أراه ضروريا جدا:
لا تيأس حين تكتشف كثرة أمراضك.
لقد فوجئت حين بدأت أنشر بعض مواد هذه السلسلة بأن بعض القراء أصابهم خوف شديد، حتى قال بعضهم بمعنى الكلام: إذا كانت فينا كل هذه الأمراض، فكيف ننجو؟
وأنا أقول:
الغاية من معرفة المرض ليست أن تكره نفسك، وإنما أن تعرف أين تبد


إرسال التعليق