أخطر مرض نفسي عصبي يصيب الملوك و القادة ..التسمم العصبي الاداركي

لبيد

التغيرات البيولوجية والعصبية التي تحدث في دماغ القائد؟

عندما يدرس علماء الأعصاب “دماغ القائد” أو الشخص الذي يمتلك نفوذاً واسعاً، فإنهم لا يتحدثون عن مجرد مجاز، بل عن تغيرات هيكلية ووظيفية حقيقية تطرأ على خلايا الدماغ والتشابكات العصبية

أظهرت أبحاث التصوير العصبي وتجارب التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة (TMS) أن السلطة المستمرة تُحدث أثراً بيولوجياً يشبه إلى حد كبير إصابات الدماغ الرضحية (Traumatic Brain Injury) في مناطق محددة، أو ما يمكن وصفه بـ “التسمم العصبي الإدراكي”.

إليك التفاصيل البيولوجية والعصبية الدقيقة لما يحدث داخل دماغ صاحب المنصب:


1. شلل “النظام المرآتي” (The Mirror System Impairment)

في الدماغ البشري الطبيعي، توجد شبكة عصبية تُسمى العصبونات المرآتية (Mirror Neurons). عندما ترى شخصاً يمر بتجربة معينة (مثلاً: يغرس إبرة في يده، أو يبكي حزناً)، تشتعل هذه العصبونات في دماغك وكأنك أنت من يمر بالتجربة. هذا هو الأساس البيولوجي لـ “التعاطف الوجداني”.

  • ماذا يحدث للقائد؟ في دراسة رائدة أجراها عالم الأعصاب سوخفيندر أوبهي في جامعة ماكماستر، تبين أن استثارة شعور القوة والنفوذ لدى الأشخاص تؤدي فوراً إلى خمود حاد في استجابة النظام المرآتي. [1]
  • النتيجة البيولوجية: دماغ القائد يتوقف حرفياً عن “محاكاة” تجارب ومشاعر المرؤوسين. عندما يشكو موظف أو مواطن من عبء معين، فإن دماغ المسؤول لا يستجيب عصبياً لهذا الألم، مما يجعله يبدو بارداً، قاسياً، أو غير مكترث دون أن يدرك هو ذلك

2. تغيرات هرمونية حادة: اختلال التوازن بين التستوستيرون والكورتيزول

تترافق السلطة مع إعادة هيكلة كاملة للنظام الهرموني في الجسم، وهو ما يغير السلوك جذرياً:

  • ارتفاع هرمون التستوستيرون (الهيمنة): يرتفع هذا الهرمون بشكل حاد لدى أصحاب المناصب العالية. بيولوجياً، يقلل التستوستيرون من الخوف ويزيد من الرغبة في المخاطرة وتأكيد الذات، ولكنه في مستوياته المفرطة يغذي العدوانية والغرور.
  • انخفاض هرمون الكورتيزول (هرمون الإجهاد): على عكس ما يعتقده البعض بأن القادة يعانون من توتر دائم، أثبت عالم النفس داشر كيلتنر في كتابه “مفارقة السلطة” أن القادة الفعليين يمتلكون مستويات منخفضة من الكورتيزول مقارنة بمرؤوسيهم. انخفاض الكورتيزول يمنحهم هدوءاً وجرأة عالية، لكنه يعميهم عن استشعار المخاطر الحقيقية أو القلق من عواقب قراراتهم الكارثية على الآخرين. [1, 2, 3]

3. خمول الفص الجبهي ونقص الكبح (Frontal Lobe Disinhibition)

الفص الجبهي (Prefrontal Cortex) هو بمثابة “الفرامل” أو “الشرطي الأخلاقي” في الدماغ؛ فهو المسؤول عن كبح الجماح، ومراعاة القواعد الاجتماعية، والتحكم في النزوات البدائية. [1]

  • أثر السلطة: تُشير الدراسات إلى أن السلطة المطلقة تؤثر على الفص الجبهي بطريقة تشبه تأثير الكحول. حيث تضعف القدرة الإشرافية لهذا الجزء من الدماغ.
  • النتيجة البيولوجية: يصبح القائد أكثر اندفاعاً (Impulsive)، وأقل تقيداً بالقوانين التي يفرضها على الآخرين. وفي تجربة شهيرة تُعرف بـ “وحش الكوكيز”، تبين أن الأشخاص الذين مُنحوا سلطة مؤقتة في المختبر كانوا يأكلون بنهم وفم مفتوح، ويسقطون الفتات على ملابسهم دون أي شعور بالخجل الاجتماعي، لأن كوابح الدماغ لديهم تعطلت بمجرد شعورهم بالقوة. [1, 2, 3, 4]

4. فقدان القدرة على “قراءة العقول” (Theory of Mind Deficit)

توجد ميزة معرفية في الدماغ البشري تُسمى “نظرية العقل”، وهي القدرة على تخمين ما يفكر فيه الشخص الآخر، أو كيف سيرد على كلامك، أو ماذا تعني نظرات عينيه.

  • عندما وُضع قادة تحت أجهزة المسح الدماغي أثناء عرض صور لتعابير وجه بشرية، أظهروا عجزاً واضحاً في تمييز المشاعر (كالخوف، أو الحزن، أو خيبة الأمل) مقارنة بالأشخاص العاديين. الدماغ في حالة النفوذ يتوقف عن بذل الجهد الإدراكي اللازم لقراءة الآخرين، لأن القائد بيولوجياً يشعر أنه لم يعد بحاجة لأحد، وبالتالي تتقلص طاقة الدماغ الموجهة لفهم المحيطين به.

مفارقة السلطة (The Power Paradox)

تتلخص المأساة البيولوجية للقائد في هذه المفارقة: “إن الصفات والمهارات التي يحتاجها الإنسان للصعود إلى السلطة (مثل التعاطف، والقدرة على قراءة مجموعته، والاستماع الجيد، وحب المساعدة) هي ذاتها الصفات التي يقوم الدماغ بتدميرها والتخلص منها بمجرد أن يستقر الشخص في كرسي الحكم”

إرسال التعليق