مهام و صلاحيات الشرطة القضائية في الجزائر طبقا للقانون .. اختصاصات ضباط الشرطة القضائية في القانون الجزائري

تُعد الضبطية القضائية الركيزة الأساسية التي تقوم عليها مرحلة جمع الاستدلالات في المواد الجزائية، فهي بمثابة العين الساهرة للعدالة الجنائية، التي تبدأ مهمتها فور وقوع الجريمة وقبل أي تدخل قضائي، بهدف البحث والتحري عن مرتكبيها وجمع الأدلة اللازمة لإثباتها. ومع تطور أنماط الإجرام وتعقيداته، باتت الحاجة ماسة إلى إعادة تنظيم هذه الجهة لتحقيق توازن دقيق بين متطلبات مكافحة الجريمة بفعالية، وبين احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية التي كفلها الدستور.
جاء قانون الإجراءات الجزائية الجزائري الجديد، القانون رقم 25-14 المؤرخ في 3 أغسطس 2025 ، ليؤسس لمرحلة جديدة في هذا المسار، حيث حاول المشرع تجاوز الاجتهادات القضائية والإشكاليات العملية التي عرفها القانون السابق، من خلال وضع إطار قانوني واضح ومتكامل لمهام الضبطية القضائية، يكرس مبدأ الشرعية الإجرائية ويعزز الضمانات للأفراد.
تكمن أهمية هذا البحث في كونه يسلط الضوء على المستجدات التي أدخلها القانون الجديد على منظومة الضبطية القضائية، محللاً هيكلها، واختصاصاتها، والإجراءات العملية المنوطة بها، والرقابة المفروضة على أعمالها. وذلك وفق الخطة التالية:
· الفصل الأول: المفهوم والأساس القانوني للضبطية القضائية في القانون الجديد.
· الفصل الثاني: هيكل واختصاصات أجهزة الضبطية القضائية.
· الفصل الثالث: الإجراءات العملية للضبطية القضائية (التحقيق التمهيدي).
· الفصل الرابع: الرقابة على أعمال الضبطية القضائية ومسؤولية أعضائها.
· الخاتمة: خلاصة عامة لأهم النتائج والتوصيات.
الفصل الأول: المفهوم والأساس القانوني للضبطية القضائية
المبحث الأول: تعريف الضبطية القضائية وطبيعتها القانونية
الضبطية القضائية هي نظام قانوني يتولى بموجبه مجموعة من الموظفين العموميين، تحت إشراف السلطة القضائية، القيام بمهام البحث والتحري عن الجرائم، وجمع الأدلة، والبحث عن مرتكبيها، تمهيداً لتحريك الدعوى العمومية ومباشرتها من قبل النيابة العامة أو قاضي التحقيق .
تختلف طبيعة أعمال الضبطية القضائية عن أعمال التحقيق القضائي. فالأولى هي أعمال بحث وتحري أولية (تُعرف بالتحقيق التمهيدي)، تتم في جو من السرعة والسرية النسبية، وتحت إشراف النيابة العامة. أما الثانية، فهي أعمال تحقيق قضائي بالمعنى الدقيق، تتولاها سلطة قضائية مستقلة (قاضي التحقيق)، وتتمتع بضمانات تقاضي أوسع، وتخضع لإجراءات أكثر تفصيلاً ورقابة من غرفة الاتهام .
المبحث الثاني: المبادئ العامة الحاكمة للضبطية القضائية في القانون 25-14
استند القانون الجديد في تنظيمه للضبطية القضائية إلى جملة من المبادئ الأساسية التي تمثل مرتكزات العدالة الجنائية الحديثة، والتي وردت صراحة في الكتاب الأول منه :

  1. مبدأ الشرعية: يمارس مأمور الضبط القضائي اختصاصاته في الحدود التي رسمها القانون، ولا يجوز له الخروج عليها أو اتخاذ أي إجراء مقيد للحريات إلا وفقاً للنصوص القانونية.
  2. مبدأ السرعة: يفرض القانون على الضبطية القضائية إخطار وكيل الجمهورية فوراً بالجنايات والجنح التي تصل إلى علمها (المادة 27) .
  3. مبدأ السرية: تنص المادة 19 من القانون الجديد على أن تكون إجراءات البحث والتحري سرية، حمايةً لحرمة التحقيقات ولصحة الأدلة، مع عدم الإضرار بحقوق الدفاع .
  4. مبدأ احترام حقوق الإنسان والكرامة: يقوم القانون الجديد على مبادئ المحاكمة العادلة واحترام كرامة الإنسان، وقرينة البراءة (المادة 1) . وهذا المبدأ يوجه عمل الضبطية القضائية في جميع مراحلها، خاصة عند تنفيذ إجراءات التفتيش أو التوقيف.
  5. مبدأ الاحترافية والتكنولوجيا: أجاز القانون صراحةً لضباط وأعوان الشرطة القضائية استعمال أجهزة تقنية أو إلكترونية لمعاينة وإثبات الجرائم (المادة 20)، مما يعكس مواكبة العصر الرقمي .
    الفصل الثاني: هيكل واختصاصات أجهزة الضبطية القضائية
    نظم القانون الجديد هيكلية الضبطية القضائية بشكل هرمي واضح، تحت الإشراف المباشر للنيابة العامة، وتتدرج على النحو التالي :
    المبحث الأول: ضباط الشرطة القضائية
    هم الفئة الأوسع صلاحية والأعلى سلطة في ممارسة مهام الضبطية القضائية.
    أولاً: من يتمتع بصفة ضابط شرطة قضائية (المادة 23) :
    · رؤساء المجالس الشعبية البلدية.
    · ضباط الدرك الوطني.
    · موظفو وضباط الشرطة للأمن الوطني من ذوي الرتب والقدم المحددين.
    · ضباط المصالح العسكرية للأمن.
    · المتصرفون الإداريون في الشؤون البحرية ووحدات حرس السواحل.
    ثانياً: الاختصاص المحلي والوطني (المادة 24) :
    · الاختصاص المحلي: يمارس الضابط اختصاصاته في الحدود الجغرافية للدائرة التي يباشر ضمنها وظائفه.
    · الاختصاص الوطني (الممتد): في حالات الاستعجال أو لخطورة الجرائم، يمتد اختصاصهم إلى كامل التراب الوطني. وقد حدد القانون الجديد قائمة موسعة لهذه الجرائم تشمل: القتل العمدي، المخدرات، الجريمة المنظمة عبر الوطنية، جرائم تكنولوجيا المعلومات، تبييض الأموال، الإرهاب، الفساد، الاتجار بالبشر، والتهريب. هذا التوسع يعكس رغبة المشرع في ملاحقة الإجرام العابر للحدود بفعالية.
    ثالثاً: سلطات ضباط الشرطة القضائية (المادة 26) :
    · تلقي الشكاوى والبلاغات بجميع الوسائل، بما فيها الإلكترونية.
    · جمع الاستدلالات وإجراء التحقيقات الابتدائية.
    · ممارسة سلطات التلبس المنصوص عليها في المواد من 73 فما بعد (تفتيش، حجز، توقيف).
    · طلب مساعدة القوة العمومية.
    · توجيه نداء للجمهور لتلقي معلومات (بإذن من وكيل الجمهورية).
    · نشر إشعارات أو صور لأشخاص مطلوبين (بإذن كتابي من وكيل الجمهورية).
    المبحث الثاني: أعوان الضبط القضائي
    أولاً: من يتمتع بهذه الصفة (المادة 29) :
    وهم الموظفون التابعون لمصالح الشرطة، الدرك الوطني، المصالح العسكرية للأمن، وحرس السواحل، الذين لا تتوفر فيهم شروط الحصول على صفة ضابط شرطة قضائية.
    ثانياً: مهامهم (المادة 30) :
    تتمثل مهامهم في معاونة ضباط الشرطة القضائية في مباشرة وظائفهم، وجمع المعلومات الكاشفة عن الجرائم ومرتكبيها، وتنفيذ الأوامر التي يصدرها لهم رؤساؤهم. ولا يملكون سلطة اتخاذ إجراءات التحقيق بمفردهم.
    المبحث الثالث: الموظفون والأعوان المكلفون ببعض مهام الضبط القضائي
    أولاً: من يشملهم هذا الصنف (المواد 31-37) :
    وهم موظفو الإدارات والمصالح العمومية الذين يخولهم القانون صلاحية معاينة جرائم معينة تدخل في نطاق اختصاصهم الوظيفي، مثل مفتشي العمل، ومفتشي البيئة، وأعوان الجمارك، والغابات، وغيرهم.
    ثانياً: حدود سلطاتهم :
    · سلطاتهم محددة ومقصورة على الجرائم التي تخولهم القانون حق معاينتها.
    · لا يجوز لهم دخول المنازل والأماكن المسورة إلا بحضور ضابط شرطة قضائية (المادة 33).
    · لا يجوز لهم توقيف الأشخاص إلا في حالة التلبس بالجريمة أو إذا شكلت مقاومتهم تهديداً خطيراً (المادة 34).
    الفصل الثالث: الإجراءات العملية للضبطية القضائية (التحري التمهيدي)
    المبحث الأول: إجراءات التحقيق في حالة التلبس
    أولاً: تعريف جريمة التلبس (المادة 72) :
    تكون الجريمة متلبساً بها إذا كانت ترتكب في الحال، أو عقب ارتكابها مباشرة، أو إذا كان المشتبه فيه متبعاً بأصوات الجمهور، أو وجدت بحوزته آثار أو أشياء تدل على مشاركته فيها.
    ثانياً: الإجراءات الواجبة على الضابط (المادة 73) :
  6. إخطار وكيل الجمهورية فوراً.
  7. الانتقال إلى مكان الجريمة دون تأخير.
  8. اتخاذ جميع التحريات اللازمة.
  9. المحافظة على الآثار المادية للجريمة.
  10. ضبط كل ما يمكن أن يفيد في كشف الحقيقة.
  11. عرض الأشياء المضبوطة على المشتبه فيهم للتعرف عليها.
    المبحث الثاني: التفتيش والحجز
    أولاً: تفتيش المساكن (المادة 75) :
    · الأصل: لا يجوز تفتيش المساكن إلا بإذن كتابي مسبق من وكيل الجمهورية أو قاضي التحقيق.
    · المواعيد: يُحظر التفتيش قبل الساعة الخامسة صباحاً وبعد الساعة الثامنة مساءً، باستثناء حالات استثنائية (طلب من داخل المنزل، أو جرائم خطيرة).
    · الضمانات: يتم التفتيش بحضور صاحب المسكن أو ممثله أو بشاهدين.
    ثانياً: تفتيش الأماكن العامة (المادة 78) :
    يجوز التفتيش في أي ساعة من ليل أو نهار في الفنادق والمقاهي والأماكن المفتوحة للعموم، إذا توافرت دلائل على ممارسة أنشطة غير مشروعة فيها.
    ثالثاً: حالات خاصة للجرائم الخطيرة (المادة 80) :
    أجاز القانون التفتيش ليلاً أو نهاراً وفي أي مكان، بناءً على إذن كتابي، في جرائم محددة بدقة مثل الإرهاب، المخدرات، الجريمة المنظمة، والفساد.
    المبحث الثالث: التوقيف للنظر (الحراسة النظرية)
    يعتبر التوقيف للنظر من أكثر الإجراءات تقييداً للحرية، لذا أحاطه القانون الجديد بضمانات مشددة.
    أولاً: الشروط والمدة (المادة 83) :
    · الشرط: وجود دلائل قوية على الاشتباه في ارتكاب جناية أو جنحة عقوبتها الحبس.
    · المدة الأصلية: لا تتجاوز 48 ساعة.
    · تمديد المدة: لا يكون إلا بإذن كتابي من وكيل الجمهورية. وتتفاوت مدة التمديد حسب خطورة الجريمة:
    · مرتين (لجرائم القتل العمدي والخطف).
    · 3 مرات (للمخدرات، تبييض الأموال، الفساد).
    · 4 مرات (لجرائم أمن الدولة والجريمة المنظمة).
    · 5 مرات (للإرهاب والتخريب).
    ثانياً: ضمانات الموقوف (المواد 84-85) :
  12. إخباره فوراً بحقوقه (بما فيها حقه في الصمت والاستعانة بمحام).
  13. تمكينه من الاتصال بذويه (أصوله، فروعه، زوجه) ومحاميه.
  14. إذا كان أجنبياً، تمكينه من الاتصال بسفارة بلده.
  15. إمكانية زيارته من محاميه.
  16. حقه في إجراء فحص طبي إذا طلب ذلك.
  17. أن يكون التوقيف في أماكن مخصصة ومعروفة للنيابة العامة.
    الفصل الرابع: الرقابة على أعمال الضبطية القضائية ومسؤولية أعضائها
    المبحث الأول: آليات الرقابة
    أولاً: الرقابة القضائية (الإشراف) :
    · تشرف النيابة العامة على أعمال ضباط الشرطة القضائية وأعوانها في دائرة اختصاصها. ولوكيل الجمهورية سلطة توجيههم ومراقبة أعمالهم، وطلب الاطلاع على محاضرهم، ومحاسبتهم على أي تقصير.
    · تخضع إجراءات الضبطية القضائية لرقابة قضاة التحقيق وغرفة الاتهام، الذين لهم الحق في إبطال أي إجراء غير قانوني، خاصة ما تعلق منها بالتفتيش أو التوقيف غير المشروع.
    ثانياً: الرقابة الإدارية والتأديبية :
    تخضع الضبطية القضائية، بصفتهم موظفين عموميين، للرقابة الإدارية من رؤسائهم التسلسليين. كما يمكن متابعتهم تأديبياً أمام المجالس التأديبية المختصة داخل قطاعاتهم الأصلية (الداخلية، الدفاع، العدالة) إذا ثبت ارتكابهم أخطاء مهنية.
    المبحث الثاني: مسؤولية أعضاء الضبطية القضائية
    أولاً: المسؤولية الجزائية :
    يتعرض مأمور الضبط القضائي للمساءلة الجزائية إذا ارتكب أفعالاً تجرمها القوانين الجزائية، كالتعذيب، أو الإيذاء العمدي للموقوفين، أو تزوير المحاضر، أو انتهاك حرمة المساكن دون مسوغ قانوني. القانون الجديد شدد على هذه المسؤولية انسجاماً مع مبدأ الشرعية.
    ثانياً: المسؤولية المدنية :
    إذا تسبب خطأ مأمور الضبط القضائي في ضرر للغير، يمكن مساءلته مدنياً. وفي بعض الحالات، قد تقوم الدولة مقامه في تحمل التعويضات، مع حقها في الرجوع عليه إذا كان الخطأ شخصياً وجسيماً.
    الخاتمة
    النتائج الرئيسية للدراسة
  18. تحديث شامل: يمثل قانون الإجراءات الجزائية الجديد (25-14) نقلة نوعية في تنظيم الضبطية القضائية، حيث استوعب تطورات الإجرام وواكب المعايير الدولية لحقوق الإنسان .
  19. هيكل هرمي واضح: أكد القانون على هيكلية واضحة للضبطية القضائية تحت إشراف النيابة العامة، مما يعزز فعالية الرقابة والتوجيه .
  20. توازن دقيق: نجح المشرع إلى حد بعيد في تحقيق توازن بين منح سلطات موسعة لمواجهة الجريمة المنظمة (كالاختصاص الوطني، وتمديد مدة التوقيف)، وبين تعزيز الضمانات القانونية للأفراد (كتقييد تفتيش المساكن، وضمانات الموقوف) .
  21. مواكبة العصر: إدخال وسائل التكنولوجيا الحديثة في عمليات المعاينة والإثبات، والنص على تلقي البلاغات إلكترونياً، يعكس رقمنة الإجراءات الجزائية .
    التوصيات والآفاق
  22. تكوين متخصص: ضرورة تكوين أعضاء الضبطية القضائية بشكل مستمر ومتخصص على أحكام القانون الجديد، لضمان التطبيق السليم له.
  23. تفعيل الرقابة: العمل على تفعيل آليات الرقابة القضائية الفعلية على أعمال الضبطية القضائية، لضمان مشروعية الإجراءات وحماية الحقوق والحريات.
  24. تطوير البنية التحتية: مواكبة التطور التشريعي بتوفير البنية التحتية اللازمة لتطبيق الرقمنة وتقنيات الاتصال الحديثة في ممارسة المهام.
    في النهاية، يبقى نجاح أي نظام قانوني رهناً بمدى حسن تطبيقه على أرض الواقع، وهو ما يتطلب تضافر جهود جميع الفاعلين في المنظومة العدلية، من قضاة نيابة عامة، وقضاة تحقيق، ومأموري ضبط قضائي، ومحامين، لترسيخ مبادئ العدالة وسيادة القانون.

إرسال التعليق