هناك من يكتب حتى لا يختنق

رشيد مصباح (فوزي)

*

هل سألت يومًا: لماذا يكتب هؤلاء؟ ولماذا يتجشّمون معاناة الكتابة وصعوباتها، بينما هم في أمسّ الحاجة إلى الراحة والسلام؟

لماذا لا يريحون أنفسهم، ويفعلون مثل غيرهم؛ يتابعون الأخبار وهم مسترخون على أرائكهم، يتناولون مشروباتهم المفضّلة، شايًا أو قهوة أو زنجبيلًـا، ويستمتعون بما يثير فيهم شيئًا من النشوة والسعادة، حتى وإن كان ما يشاهدونه لا يتناسب إطلاقًا مع الشعور العام: أطفال يقتاتون من المزابل، وشيوخ يموتون تحت القصف والدمار، ومآسٍ تتكرّر هنا وهناك، كما يحدث الآن في غزّة؟

لماذا يخاطر بعض هؤلاء بحياتهم وهنائهم ورغد عيشهم، بل وبحريّتهم التي قد تصبح موضع مساومة، فيورّطون أنفسهم ويقتربون من المحظور، بينما يكتفي غيرهم بمتابعة ما يحدث ببرودة تامة، دون أن يكترثوا كثيرًا لما يجري هنا أو هناك؟

ما لا يعرفه، وربما لا يستطيع أن يشعر به، هؤلاء المحايدون والمتحفّظون، أن هناك جروحًا كثيرة لا يجد أصحابها لها علاجًا، ولا دواءً يشفيها. لذلك يلجؤون إلى الكتابة، لا بحثًا عن الشهرة بالضرورة، وإنما ليعتصروا بها هموم الحياة، ويخرجوا شيئًا مما يثقل صدورهم.

فالـعلاج أشكال وأصناف؛ منه التقليدي والمتطور، ومنه ما يكون على يد الأطباء والمعالجين، ومنه ما يختاره الإنسان لنفسه. وكما يقول المثل المتداول: «كل إنسان طبيب نفسه»، لأن الإنسان أدرى، في كثير من الأحيان، بحجم معاناته، وبما يخفّف عنه ويمنحه شيئًا من الراحة والسكينة.

وهؤلاء الذين قد يسخر منهم كثير من أصحاب الضمائر المعطّلة، وجدوا في الكتابة بلسما لجراحهم، ومساحة يتنفّسون فيها بعيدًا عن ضجيج الحياة وضغوطها.

لكن لا ينبغي أن نعمّم؛ فليست كل كتابة علاجًا لما في الصدور، كما أن ليس كل دواء نتناوله علاجًا ناجعًا لكل مرض نعاني منه. فقد تحوّلت الكتابة، في بعض صورها، إلى وسيلة للتملّق والمداهنة، والتغطية على الحقائق، ومحاولة تغليط الرأي العام، خصوصًا مع الانتشار الواسع لوسائط التواصل الاجتماعي.

في السابق، أي قبل هذه الطفرة التي أحدثتها الوسائل التكنولوجية المعاصرة، كانت للكتابة نكهة خاصة ومعنى مختلف. وكان القرّاء يخصّصون للمطالعة وقتًا، ويقبلون عليها بشغف ورغبة كبيرين. أما اليوم، فلم يبق من ذلك الشغف إلّـا الشيء اليسير، وسط سيل هائل من الصور والمقاطع والأخبار والتعليقات التي تتزاحم على انتباه الإنسان كل يوم.

والناس اليوم يعانون من القلق والاضطراب بسبب نمط الحياة الذي يعيشونه؛ يعانون من التلوث والضجيج وسرعة الإيقاع، ويبحث كثير منهم عن خلاص سريع في الأدوية والعلاجات الجاهزة، بينما ينسون أن الإنسان يحتاج، قبل كل شيء، إلى وقت يتصالح فيه مع نفسه.

ولعل الكتابة، بالنسبة إلى بعض منهم، ليست ترفًا ولا رغبة في الظهور، وإنما إحدى الطرق القليلة التي تمكّنهم من هذا التصالح.

فلا تستغربوا إذن ممن يكتبون.

قد لا تعرفون ماذا يحملون في داخلهم، ولا أيّ جرح دفعهم إلى الإمساك بالقلم. وقد ترون في كتاباتهم ما ترونه أنتم كلامًا زائدًا، بينما يراها صاحبها نافذة يتنفّس منها.

فليس كل من يكتب يبحث عن جمهور؛ بعضهم يكتب حتى لا يختنق.

إرسال التعليق