رسالة المسلم في الحياة

يظن كثير من الناس أن رسالة المسلم تنحصر في تحصيل القوت، وبناء المشاريع الربحية، ونيل أرقى الشهادات، والترقي في الوظائف، والسعي وراء الثراء والغنى. وهذه المكاسب -بلا شك- مطلوبة ومشروعة، بل إن الأصل في الإسلام هو تحصيل مفهوم القوة بجميع معانيها؛ فلا تنافي بين العمل للدنيا والإخلاص للآخرة.

لكن، هل تمنحنا هذه المكاسب وحدها السعادة الحقيقية التي نبحث عنها؟ وهل تجعل منا ذلك الإنسان الذي يرى الحياة بعينها الصافية؟ كلا؛ فالسعادة الحقيقية تكمن في اختيار السبيل الذي ارتضاه الله لنا، وهو سبيل الدعوة إليه، والارتقاء بالنفس فوق شهواتها. يقول الله تعالى: “وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ” (فصلت: 33). فهذه الآية تضع الدعوة في ذروة الأقوال، وتجعلها الغاية الكبرى التي تتفرع عنها كل الأعمال الصالحة.

إن شرف أمة محمد صلى الله عليه وسلم يكمن في سلوك هذا الطريق؛ إنه طريق إقامة الشهادة على الناس، وهو أرقى التكاليف وأعظمها. يقول تعالى: “وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ” (آل عمران: 104). فأي طريق أسمى وأفضل من هذا الطريق الذي فضله الله لنا، وجعل الفلاح في سلوكه؟

وحري بمن يسلك هذا الدرب أن يمتلك أبرع الأساليب وأمهر الطرائق، وأن تكون غايته الأولى والأخيرة هي الله سبحانه. إنه طريق نسلكه ونحن نملك العلم سبيلاً لتنوير العقول، ونملك التربية منهجاً لتهذيب النفوس، ونملك الأدب مفتاحاً لكسب القلوب التائهة؛ فتجد طريقها وسعادتها المفقودة في ربوع جمال أخلاقنا، وتفضل السير مع رفقة همهم الدعوة إلى الله، وهممهم المسارعة في الخيرات، واعتزازهم بالانتماء لهذا الدين.

ومن أبرز الأساليب المؤثرة في الدعوة، والتي لها وقعُ الملح في الطعام، هي القدوة الصالحة؛ فهي القوة النافذة التي تجسد المنهاج على الأرض. وتتسم هذه القدوة بالبعد عن ساحات الجدل والمراء وزراعة الفتن، كما أنها تغرس الأمل في النفوس وتكافح اليأس الذي يزرعه المرجفون المتربصون بكل مشروع ريادة.

وهذه القدوة ليست مجرد مثال نظري، بل تتجسد في رجال عاشوا الدعوة حباً وسلوكاً؛ ومن أبرزهم الأستاذ المربي عباس السيسي -رحمه الله-، الذي أفنى حياته في الدعوة، وحق له أن يكون المثال المُقتدى به. يصفه الدكتور عمرو الشيخ في مقالته المميزة “شاهد على الدعوة” قائلاً:

“وكيف لا وهو الذي كتب رسالته الدافئة (الدعوة إلى الله حب)، يصل إلى قلوب الناس بحسن خلقه، وبشاشة وجهه، وجمال أسلوبه الدعوي، يترفق بالناس، يُدخل السرور على قلوبهم، يشاركهم في مشكلاتهم، ويعمِّق العلاقة بهم، يُقيم أواصر الحب معهم، يتلطَّف بالصغير، ويصبر على الجاهل، ويمتِّن الصلات الاجتماعية معهم، عن طريق التزاور، ومشاركة الناس في أفراحهم وأتراحهم. وهو بسيطٌ في مظهره، باسمُ الثغر، واسعُ الصدر، حليمٌ على من يُسيء إليه، ودودٌ لإخوانه، رفيقٌ بجيرانه وزملائه، خفيفُ الظل، لا يُرى إلا مبتسمًا، كثيرُ الدعابة لإدخال السرور على مَن حوله، ولكن بأدب الإسلام، يَروي القصص بأسلوب مشوِّق جميل، ويهدف من كل ذلك إلى استمالة قلوب المدعوين إلى دعوة الحق، ومنهج الحق، ودين الحق.”

في خلاصة هذه الكلمات، أقف أمام واقعنا المرير الذي تسوّغه تنافسية تعرَّت من قيم المنظومة الأخلاقية، بينما يفترض بنا أن نكون النموذج الصحيح على الأرض. أن يكون تنافسنا على البرامج النافعة، وتقديم البدائل الحضارية، ويكون دافعنا اكتساب الأجر لا فضح الأعراض، وهتك الستر الذي يفترض أن نكون حراسه. فالرجل القدوة يميل إلى الستر والعفاف، لا إلى التجريح والهدم. وهنا يبرز السؤال المحوري: هل سنظل أسرى التنافس المادي الضيق، أم سنرتقي إلى مقام الدعوة بالقدوة والأخلاق، لنكون حقاً رسل سلام ورحمة في هذا العالم؟

نسأل الله أن يردنا إلى الحق البين، وأن يوفقنا لسلوك هذا الطريق النقي. آمين.


الأستاذ حشاني زغيدي

إرسال التعليق