عندما يصبح الأب دولة صغيرة داخل البيت
رشيد مصباح (فوزي)
*
هناك عائلات جزائرية لا تظهر في نشرات الأخبار، ولا تطرق أبواب المسؤولين، ولا ترفع أصواتها في وسائل الإعلام.
عائلات تعيش بصمت.
في داخل بعض هذه البيوت آباء وأُمّهات تجاوزوا سنّ الشباب، أنهكتهم سنوات العمل والحياة، ثم وجدوا أنفسهم في نهاية المطاف يتحمّلون مسؤولية أبناء أصبحوا في سنّ يفترض أن يكونوا فيها قادرين على إعالة أنفسهم.
الأب يتقاضى معاشًا محدودًا، يحسب به ثمن الخبز والحليب والماء والكهرباء، بينما ينتظر منه أبناء بالغون أن يستمر في الإنفاق عليهم كما لو أنهم ما زالوا أطفالًـا.
ولا أحد يسأل:
إلى متى يستطيع هذا الأب أن يستمر؟
إنها مشكلة اجتماعية، وسياسية واقتصادية قبل أن تكون عائلية.
نحن نسمع كثيرًا عن الشباب، وعن التشغيل، وعن المؤسسات، وعن البرامج الاجتماعية، وعن محاربة البطالة، وعن دعم الفئات الهشة.
لكن المواطن البسيط لا يعيش داخل الخطب.
إنه يعيش داخل البيت.
وهناك، بعيدًا عن الميكروفونات والكلمات الكبيرة، توجد أم مريضة تحتاج إلى العلاج، وأب متقاعد لا يكاد معاشه يكفيه، وأبناء يبحث بعضهم عن عمل، بينما يستسلم بعضهم الآخر للانتظار؛
أين تنتهي مسؤولية الدولة وأين تبدأ مسؤولية الفرد؟
لا يمكن أن نطلب من الدولة أن توفّر وظيفة لكل شاب، فهذا غير واقعي.
لكن لا يمكن أيضًا أن نطلب من الدولة أن تتحدّث عن الشباب وكأن مجرّد الحديث عنهم أصبح سياسة تشغيل.
الشاب يحتاج إلى فرص حقيقية، وإلى سوق عمل قادر على استيعابه، وإلى مؤسّسات ترافقه بدل أن تتركه يدور في الحلقة نفسها.
لكن، في المقابل، هناك حقيقة أخرى لا ينبغي أن نخشى قولها:
ليس كل عاطل عن العمل عاجزًا عن العمل.
هناك فرق كبير بين شاب يبحث عن فرصة ولا يجدها، وبين شاب وجد في البطالة أسلوب حياة.
الأول يحتاج إلى المساعدة.
أما الثاني فيحتاج، قبل المساعدة، إلى أن يستعيد إرادة الحركة.
فليس من المعقول أن يبقى الأب يعمل أو يكافح حتى آخر رمق، ثم يجد ابنه القادر على العمل مستلقيًا ينتظر ما يأتيه من البيت.
وليس من العدل أن يتحوّل راتب الأب المتواضع إلى صندوق إعانة دائم لأبناء قادرين على تحمّل جزء من المسؤولية.
والأدهى من ذلك أن بعض الآباء يصمتون.
يصمتون حبًّا..
يصمتون خوفًا على أبنائهم..
يصمتون لأن في البيت مريضًا لا يحتمل المشاكل..
يصمتون لأنهم يخشون أن تتحّول كلمة واحدة إلى قطيعة…
فيتحمّل الأب أكثر مما يحتمل، حتى يصبح الصمت نفسه مرضًا.
وهكذا يتحول البيت، دون أن نشعر، إلى مؤسسة اجتماعية مصغّرة.
الأب فيها هو الدولة..
هو الخزينة..
وهو الضمان الاجتماعي..
وهو وزارة التضامن..
وهو صندوق الطوارئ..
وهو آخر من يفكر فيه الجميع، وأول من يُطلب منه كل شيء…
لكن الأب ليس دولة..
والراتب التقاعدي ليس ميزانية دولة..
والجسد الذي أنهكته السنون لا يستطيع أن يظل إلى الأبد آلة لإنتاج المال وتوزيعه…
ثم إن المسؤولية لا تقع على الدولة وحدها،
فالأسرة نفسها لها دور.
لقد ربينا أبناءنا أحيانًا على فكرة أن الوظيفة المحترمة هي وظيفة المكتب، وأن العمل الذي لا يحمل عنوانًا اجتماعيًا لامعًا لا يليق بالشاب.
فصار بعض شبابنا يفضّلون البطالة على عمل بسيط.
ينتظرون الوظيفة التي تناسب أحلامهم، بينما تتراكم السنوات، ويكبر الأب، وتكبر حاجات البيت.
أيها الشاب…
ليست الكرامة في أن تجلس عاطلًـا لأن العمل المتاح لا يعجبك.
الكرامة أن تعمل..
وأن تكسب مالك بيدك..
أن تساعد أباك..
أن تشعر أن وجودك في البيت إضافة، لا عبئًا.
قد تبدأ من عمل بسيط، ثم تتعلّم، ثم تتطوّر، ثم تجد طريقك.
لكن عليك أولًـا أن تتحرّك.
فالإنسان لا يكتشف قدرته وهو حبيس غرفته مستلقٍ في فراشه.
وهناك آباء لا يريدون من أبنائهم ثروة ولا قصورًا.
كل ما يريدونه أن يشعروا أن أبناءهم يقفون إلى جانبهم عندما تبدأ أكتافهم بالانحناء.
أما الدولة، فليس مطلوبًا منها أن تحمل المواطن على ظهرها، وإنما أن تهيئ له الطريق كي يحمل نفسه.
وهذه هي الدولة التي نريدها:
دولة لا تكتفي بإطلاق الوعود، ولا تجعل من معاناة المواطن مادة للخطب، بل تنزل إلى الواقع، وترى العائلة التي أنهكها الغلاء، والمتقاعد الذي لم يعد معاشه يكفيه، والشاب الذي ضاعت سنوات من عمره في الانتظار.
وفي النهاية، تبقى هناك مسؤولية لا يستطيع أحد أن يحملها عن الإنسان: «مسؤوليته عن نفسه».
فالدولة قد تساعدك، والأسرة قد تسندك، والأب قد ينفق عليك، لكن لا أحد يستطيع أن يمنحك إرادة النهوض إذا قررت أنت أن تبقى على الأرض.
وقد آن لبعض أبنائنا أن يفهموا أن آباءهم ليسوا خالدين.
ذلك الأب الذي يدفع اليوم ثمن الطعام والماء والكهرباء، ويخفي قلقه عن أسرته، لن يبقى إلى الأبد.
وسيأتي يوم يصبح فيه السؤال مختلفًا:
ليس: ماذا أعطاني أبي؟
بل:
ماذا أعطيت أبي عندما كان يحتاج إليّ؟
وحينها قد لا تنفع الإجابة.



إرسال التعليق