حين تصبح كلمة الحق ثقيلة على أهل المنابر

رشيد مصباح (فوزي)
*

ليس أصعب على الإنسان من أن يسمع كلمة حقٍّ لا يريد سماعها.

فكلمة الحق جميلة ما دامت في مصلحتنا، ومحبوبة ما دامت توافق أهواءنا، ومطلوبة ما دامت موجّهة إلى خصومنا. لكن ما إن تقترب منا، أو تلمس شيئًا من كبريائنا، أو تكشف سلوكًا لا نحب أن يراه الناس فينا، حتى تتغير صورتها فجأة؛ فتصبح عند البعض تجريحًا، وسوء أدب، وتطاولًا، وتدخّلًا فيما لا يعني القائل.

وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي للأخلاق.

ففي زمننا هذا، يبدو أن كثيرين يحبون الدِّين ما دام موعظةً للآخرين، لكنهم لا يحبونه بالقدر نفسه حين يتحوّل إلى مرآة تعكس عيوبهم هم.. وعندما تضعف القدرة على مواجهة المرآة، يبدأ البحث عن شيء آخر: التبرير، والخصومة، وربما الانتقام.

فهل الانتقام للنفس من الدِّين؟
لا.

فالانتقام لمجرّد إرضاء الغضب والكبرياء ليس من هدي الإسلام، ولا يجوز للإنسان أن يجعل من غضبه شريعة، ولا من جرح كرامته مبرّرًا لظلم الآخرين؛ فهل تستطيع أن تكون عادلًـا مع من تكره؟ هذه، في رأيي، من أصعب مراتب الأخلاق، أن تنصف إنسانًا اختلفت معه. وأن تعترف له بالصواب وهو يختلف معك.

لكننا نعيش زمنًا آخر
نحن نعيش، للأسف، في زمن أصبحت فيه المجاملة أحيانًا أقوى من الحقيقة، ودع الأمور تمر؛ صافح الجميع.. وابتسم للجميع.. واجعل لك عند الجميع رصيدًا من المجاملة.

أما الحقيقة؟

فلتذهب إلى الجحيم!

وهكذا يصبح الإنسان محبوبًا لأنه يجيد إرضاء الآخرين، لا لأنه يجيد قول الحق.

المفارقة أن بعض أهل المنابر لا يحبون المنبر خارج المنبر
المفارقة المؤلمة أن هناك من يعلّم الناس الحِلم وهو لا يصبر.. ومن يعلّمهم التواضع وهو شديد الحساسية تجاه مكانته.. ومن يعلّمهم العفو وهو لا يغفر إساءة.. ومن يحاضر عن الأُخوّة بينما هو يخاصم لأتفه الأسباب.. ومن يحدث الناس عن الرحمة، ثم لا تظهر آثار الرحمة في تعامله مع من يخالفه.. ومن يعلّم الناس حسن الظن، ثم يكون أسرع الناس إلى إساءة الظن.. ومن يرفع صوته بالحديث عن مكارم الأخلاق، ثم يغضب لمجرّد أن يقول له أحد: لقد أخطأت… فما قيمة الموعظة إذا كان أول من يحتاج إليها هو صاحبها؟

وما قيمة الحديث عن الأخلاق إذا كانت الأخلاق لا تصمد أمام أول احتكاك حقيقي مع النفس؟

فالمنبر ليس مكانًا نعلّم فيه الناس كيف يكونون صالحين فحسب بل هو، قبل ذلك، امتحان لمن يقف عليه.

والذي يتصدّر للحديث باسم الدِّين ينبغي أن يكون أكثر الناس استعدادًا لأن يحاسب نفسه، لا أن يكون أكثرهم حساسية تجاه من يحاسبه.

ليس من الصعب أن تكون واعظًا.. ولا من الصعب أن تحفظ النصوص ثم تنقلها ”كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا “ .. ولا من الصعب أن تقف أمام الناس وتتحدّث عن الجنّة والنّار، والحلال والحرام، والصبر والعفو والتقوى…

الصعب هو أن تطبّق ما تقول عندما يمس الأمر كرامتك ومصلحتك وكبرياءك.

الصعب أن تقول الحق عندما يكون ضدك.

الصعب أن تعفو وأنت قادر على الانتقام.

الصعب أن ترد السلام على من أغضبك.

الصعب أن تنصف من لا تحب.

الصعب أن تعترف بخطئك أمام من كنت تعظه.

الصعب أن تتواضع وأنت ترى نفسك أفضل من غيرك.

هناك فحسب نعرف مقدار الدِّين الذي يسكن القلب.

أما الكلام، فالكلام يستطيع الجميع قوله.

فالدِّين ليس ما نقوله فوق المنابر
الدِّين ليس ما نقوله للناس فحسب.

الدِّين ما يفعله بنا الدين؛

إذا لم يجعلنا أكثر رحمة، فما الذي بقي منه في سلوكنا؟

إذا لم يجعلنا أكثر تواضعًا، فما جدوى حديثنا عن التواضع؟

إذا لم يجعلنا أكثر قدرة على العفو، فما قيمة حديثنا عن العفو؟

إذا لم يجعلنا أكثر عدلًـا مع من نختلف معهم، فأين أثر الدِّين فينا؟

وإذا كان الإنسان لا يستطيع أن يرد على إساءة إلّـا بإساءة مثلها، ولا على النقد إلا بالعداء، ولا على الاختلاف إلا بالقطيعة، فليتوقّف قليلًا ويسأل نفسه:

هل أنا أدافع عن الدِّين، أم أدافع عن نفسي؟

وهذا سؤال مؤلم، لكنه ضروري، لأن الإنسان قد يخلط بسهولة بين الغيرة على الحق والغيرة على الذات. وقد يظن أنه ينتصر للدِّين، بينما هو في الحقيقة ينتصر لكبريائه المجروح. وقد يظن أنه ينكر منكرًا، بينما هو في الحقيقة ينتقم لنفسه. وقد يظن أنه يقول كلمة حق، بينما يكون الدافع الحقيقي هو أن يجعل خصمه يدفع ثمنًا نفسيًا لمجرد أنه أغضبه.

وهنا تضيع الحدود بين الحق والهوى.

وعظوا الناس… ولكن ابدأوا بأنفسكم
يا من تتصدّرون لتعليم الناس الدِّين:

لا تجعلوا المنبر حصانةً من النقد.

ولا تجعلوا اللحية أو الجبّة أو كثرة الظهور في المسجد شهادةً على كمال الأخلاق.

فالناس لا تحتاج إلى أن ترى التديّن في المظهر فحسب؛ إنها تحتاج أن تراه في المعاملة.

وفي النهاية…
فليس أخطر على الدِّين من أن يتحوّل إلى مظهر بلا جوهر، وإلى كلام جميل لا يجد طريقه إلى السلوك.

فالناس قد تنخدع بالمنبر.. وقد تنخدع بالمظهر.. وقد تنخدع بالكلمات… فهل نحن نعلّم الناس ما جاء به الإسلام، أم نستخدم الإسلام لتعليم الناس ما نريد نحن؟

إنه سؤال ينبغي أن نطرحه على أنفسنا جميعًا؛ لأن التديّن الحقيقي لا يبدأ عندما نرى عيوب الآخرين، وإنما عندما نمتلك الشجاعة لنرى عيوبنا نحن؛ فالمشكلة ليست في أن نقول للناس كيف يكونون صالحين. ولكن المشكلة أن ننسى أن أول شخص ينبغي أن يسمع الموعظة هو نحن.

وتلك، في رأيي، هي المسافة الفاصلة بين الدِّين بوصفه أخلاقًا، والتديّن بوصفه مظهرًا.

إرسال التعليق