ما الذي تحضره المخابرات الإسرائيلية لتركيا؟
ما الذي تحضره المخابرات الإسرائيلية لتركيا؟
محمد عبد الكريم يوسف
مقدمة
تشهد العلاقة بين إسرائيل وتركيا في السنوات الأخيرة توتراً متصاعداً، انعكس بشكل واضح على صعيد
النشاط الاستخباراتي بين البلدين. فبينما تجمعت مؤشرات على تحضيرات استخباراتية إسرائيلية مكثفة
تستهدف المصالح التركية داخلياً وخارجياً، برزت في المقابل عمليات تركية متكررة لكشف واعتقال
شبكات تجسس تابعة للموساد. يهدف هذا البحث إلى تحليل طبيعة النشاط الاستخباراتي الإسرائيلي الموجه
ضد تركيا، استناداً إلى الوقائع المعلنة والتقارير الإعلامية والأكاديمية المتاحة، مع محاولة استقراء
التوجهات المستقبلية لهذا الصراع الخفي.
أولاً: شبكات التجسس الإسرائيلية داخل الأراضي التركية
- العمليات الاستخباراتية المكشوفة (2022-2025)
كشفت السلطات التركية خلال السنوات الثلاث الأخيرة عن عدد من شبكات التجسس التابعة للموساد
الإسرائيلي كانت تعمل داخل الأراضي التركية، في مؤشر واضح على حجم النشاط الاستخباراتي
الإسرائيلي الممنهج ضد تركيا.
في ديسمبر 2022، ألقت السلطات التركية القبض على 44 شخصاً يشتبه في تجسسهم لصالح إسرائيل
ضد منظمات فلسطينية في تركيا. وجاءت هذه العملية كجزء من حملة متصاعدة لكشف الخلايا
الإسرائيلية، حيث تمكنت الاستخبارات التركية (MİT) من تفكيك عدة خلايا للموساد خلال العام نفسه.
وفي مايو 2023، أعلنت الاستخبارات التركية اعتقال 11 شخصاً، بينهم مواطنان تركيان، كانوا
يتجسسون لحساب الموساد في إسطنبول. وكانت هذه الخلية تعمل على جمع معلومات عن أفراد لهم
صلات تجارية بإيران، مما يشير إلى أن النشاط الاستخباراتي الإسرائيلي في تركيا لم يقتصر على
استهداف الفلسطينيين، بل امتد ليشمل أهدافاً إيرانية أيضاً.
وفي يوليو 2023، كشفت تركيا عن وجود فريق من 56 عميلاً للموساد مكلف بمراقبة غير الأتراك
داخل الأراضي التركية. وكشفت التقارير أن الموساد كان يوظف عملاء عرباً من أصول عربية مقيمين
في إسطنبول، ويكلفهم بمهام تجسس في دول ثالثة مثل لبنان وسوريا. - حملة 2024: اعتقال 34 مشتبهاً
شهد مطلع عام 2024 تصعيداً لافتاً، حيث نفذت الأجهزة الأمنية التركية حملة واسعة في 8 ولايات،
أسفرت عن اعتقال 34 شخصاً على خلفية ارتباطهم بالموساد الإسرائيلي. وأفادت تقارير بأن الموساد
كان يخطط لتنفيذ عمليات اختطاف واغتيال ضد أجانب مقيمين في تركيا.
وتواصلت الاعتقالات خلال العام نفسه، حيث ألقي القبض على 8 أشخاص في أبريل 2024 بتهمة جمع
معلومات عن أفراد وشركات تركية ونقلها إلى المخابرات الإسرائيلية. وفي مارس 2024، اعتقل 7
أشخاص آخرين بتهمة بيع معلومات للموساد.
وفي سبتمبر 2024، ألقي القبض على مشتبه به من كوسوفو يُدعى ليريدون ريكسـيبي، بتهمة تحويل
أموال إلى عملاء الموساد في تركيا. كما صدرت في أبريل 2025 أحكام بالسجن بحق عائلة تركية
مكونة من ثلاثة أفراد وثلاثة أشخاص آخرين، قضت بسجنهم 100 عام بتهمة التجسس لصالح الموساد.
- تفاصيل عمليات 2025: شبكة “مترون”
في أكتوبر 2025، أعلنت الاستخبارات التركية اعتقال محقق خاص يُدعى سيركان تشيتشك (الاسم
الحقيقي: محمد فاتح كيليش) في عملية نوعية حملت الاسم الرمزي “نشاط مترون” (Metron
Activity).
تشير التفاصيل إلى أن تشيتشك كان على اتصال مع فيصل رشيد، وهو عضو في مركز العمليات
الإلكترونية الإسرائيلي (Online Operations Center) التابع للموساد. وقد كلّفه رشيد بمراقبة
ناشط فلسطيني معارض لسياسات إسرائيل في الشرق الأوسط، مقابل مبلغ 4,000 دولار على شكل
عملة مشفرة.
واللافت أن تشيتشك كان يعلم أن زميله السابق موسى كوش قد حكم عليه بالسجن 19 عاماً بتهمة
التجسس لإسرائيل، ومع ذلك قبل تنفيذ المهمة. وفي ذات اليوم (3 أكتوبر 2025)، اعتقلت السلطات
التركية محامياً آخر بتهمة بيع معلومات للموساد.
تكشف هذه الوقائع عن نمط استخباراتي إسرائيلي يقوم على توظيف وسطاء محليين (محققين خاصين،
محامين) لتنفيذ مهام مراقبة وجمع معلومات، مع الاعتماد على وسائل اتصال مشفرة وعملات رقمية
لتجنب الكشف.
ثانياً: المواجهة الاستخباراتية في الساحة السورية
- الغارة على مطار أبو الظهور (أغسطس 2026)
في 18 أغسطس 2026، شنّت الطائرات الحربية الإسرائيلية 8 غارات على مطار أبو الظهور
العسكري في محافظة إدلب السورية، على بعد نحو 70-80 كيلومتراً من الحدود التركية. وقد أثارت هذه
الغارة تساؤلات واسعة حول دوافعها ودقة المعلومات الاستخباراتية التي استندت إليها.
- الرواية الإسرائيلية: معلومات استخباراتية عن تمركز تركي
وفقاً للرواية الإسرائيلية الرسمية، استندت الغارة إلى معلومات استخباراتية تفيد بأن تركيا كانت تستعد
لإقامة وجود عسكري دائم في المطار، يشمل:
أنظمة رادار يتم نشرها في الموقع
أنظمة دفاع جوي تعمل بواسطة قوات تركية
قوات كوماندوز تركية لتشغيل هذه الأنظمة
وصرح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قائلاً: “لن نتسامح مع بناء عسكري تركي يتحرك
جنوباً، لأنه يهددنا”. وذكر مسؤولون إسرائيليون أن نشر أنظمة رادار تركية في المطار قد يحد من حرية
إسرائيل الجوية ويعقّد أي ضربة مستقبلية ضد إيران.
كما كشف تقرير لصحيفة “إسرائيل هيوم” أن التوسع التركي في سوريا كان على رادار إسرائيل لأكثر
من عام، مشيراً إلى أن أنقرة قدّمت في يوليو 2025 أربع ناقلات جنود مدرعة من إنتاج محلي كـ”هدية”
للجيش السوري بقيادة أحمد الشرع. وقد تابعت إسرائيل هذه العربات المدرعة عن كثب. - التشكيك في دقة المعلومات الاستخباراتية
أثار الموقف الأميركي شكوكاً جدية حول دقة المعلومات الاستخباراتية الإسرائيلية. فقد صرح السفير
الأميركي لدى أنقرة والمبعوث الخاص لسوريا والعراق، توم باراك، بأن الولايات المتحدة حققت في
المعلومات الإسرائيلية حول تحرك تركي في المطار، وأن “الإجابة التي تلقيناها كانت أن هذا الادعاء
غير صحيح”.
ووصف باراك الجيش التركي بأنه “قوي وشجاع” و”مجهز جيداً ويعرف عمله جيداً”، وهو ما يمكن
قراءته كرسالة غير مباشرة بأن واشنطن لا ترى مبرراً للغارة الإسرائيلية.
كما كشفت التقارير أن إسرائيل لم تخطر الولايات المتحدة وتركيا بالغارة مسبقاً، وهو أمر غير معتاد في
ضوء التنسيق الأمني الوثيق بين إسرائيل وأميركا. - فرضية “استدراج” تركيا
طرح باراك فرضيتين لتفسير الغارة:
الفرضية الأولى: أن إسرائيل كانت تحاول “استدراج” تركيا إلى صراع عسكري، كاستراتيجية انتخابية
تهدف إلى خدمة نتنياهو في الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية المقبلة. ووصف باراك ذلك بأنه “مفهوم ما
قبل الانتخابات عدواني جداً، لكن ربما يكون مقبولاً”.
الفرضية الثانية: حدوث “سوء تواصل” بين الجيش الإسرائيلي والموساد ومكتب رئيس الوزراء. وذكر
باراك أن مدير الموساد، رومان غوفمان، أجرى محادثة معمقة استمرت ساعتين مع وزير الخارجية
السوري أسعد الشيباني قبل أيام من الغارة، وكان ربما يعتزم مواصلة الحوار، لكن قائداً ميدانياً اتخذ
قراراً بالضرب بناءً على قراءة استخباراتية خاصة به.
- الرواية التركية والسورية
نفت تركيا وجود أي قوات تركية في المطار أو أي نية لإقامة قاعدة عسكرية هناك، مؤكدة أن تعاونها
العسكري مع سوريا يقتصر على التدريب. كما نفت الحكومة السورية الانتقالية وجود نية لإقامة وجود
عسكري تركي دائم في الموقع، مؤكدة أن أعمال التأهيل كانت تهدف إلى استعادة المطار لاستخدام القوات
الجوية السورية.
وذكر وزير الخارجية السوري الشيباني أن وفداً عسكرياً تركياً زار المطار قبل يوم من الغارة، لكن
وزارة الدفاع التركية نفت هذه الرواية.
ثالثاً: قنوات الاتصال السرية ومنع الاحتكاك
رغم التصعيد الاستخباراتي والعسكري، كشفت هيئة البث الإسرائيلية (كان) في 23 أغسطس 2026
عن وجود قنوات اتصال “سرية” بين إسرائيل وتركيا لنقل الرسائل ومنع الاحتكاك. وأكد مصدر أمني
إسرائيلي أن تل أبيب لا ترغب في تحويل تركيا إلى “عدو”.
هذه القنوات تعكس ازدواجية في الموقف الإسرائيلي: فمن ناحية، هناك نشاط استخباراتي مكثف يستهدف
المصالح التركية؛ ومن ناحية أخرى، هناك حرص على عدم الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة مع أنقرة، في
ظل إدراك إسرائيل لقوة تركيا العسكرية والاقتصادية.
رابعاً: تحليل النمط الاستخباراتي الإسرائيلي
بناءً على الوقائع المذكورة أعلاه، يمكن استقراء السمات التالية للنشاط الاستخباراتي الإسرائيلي ضد
تركيا:
- التوظيف عبر وسطاء محليين
يعتمد الموساد على تجنيد مواطنين أتراك (محققين خاصين، محامين، رجال أعمال) لتنفيذ مهام
استخباراتية، مما يوفر غطاءً للعمليات ويصعّب عملية الكشف. - استهداف الفلسطينيين والإيرانيين في تركيا
تركز العمليات الاستخباراتية الإسرائيلية في تركيا بشكل أساسي على مراقبة النشطاء الفلسطينيين
المعارضين لإسرائيل، وكذلك الأفراد والكيانات ذات الصلة بإيران. وهذا يعكس الأولويات الاستخباراتية
الإسرائيلية الأوسع في المنطقة. - استخدام التكنولوجيا الحديثة
يلجأ الموساد إلى وسائل اتصال رقمية مشفرة (مثل واتساب) والعملات المشفرة للدفع، في محاولة لتجنب
الرقابة والمراقبة. - استغلال الفضاء السوري كساحة مواجهة
تعتبر سوريا، بموقعها الجغرافي وتطوراتها السياسية، ساحة رئيسية للمواجهة الاستخباراتية والعسكرية
بين إسرائيل وتركيا. ومع انهيار نظام الأسد وتراجع النفوذ الإيراني، برزت تركيا كلاعب رئيسي في
سوريا، مما أثار قلقاً استخباراتياً إسرائيلياً حاداً. - التوظيف الانتخابي للمعلومات الاستخباراتية
أثارت الغارة على مطار أبو الظهور تساؤلات حول إمكانية توظيف المعلومات الاستخباراتية – أو حتى
تضخيمها – لأغراض سياسية داخلية، كما في سياق الانتخابات الإسرائيلية.
خامساً: التقديرات المستقبلية
استناداً إلى الاتجاهات الراهنة، يمكن استشراف السيناريوهات التالية:
- استمرار النشاط الاستخباراتي الإسرائيلي في تركيا، وإن كان ذلك سيواجه بعمليات تركية
متصاعدة لكشف الشبكات، كما شهدنا في السنوات الأخيرة. - تصعيد في سوريا، حيث من المتوقع أن تواصل إسرائيل مراقبة التحركات العسكرية التركية في
شمال سوريا، مع احتمال تنفيذ المزيد من الضربات الاستباقية إذا رأت تهديداً لمصالحها الأمنية. - توازن دقيق بين المواجهة والاحتواء، حيث تسعى إسرائيل إلى منع التمدد التركي في سوريا دون
الانجراف إلى حرب مفتوحة مع أنقرة، كما تعكس قنوات الاتصال السرية بين البلدين. - استمرار الاعتقالات التركية لعملاء الموساد، في إطار استراتيجية أنقرة لحماية أمنها الداخلي
وإرسال رسائل ردع لإسرائيل.
خاتمة
يكشف تحليل النشاط الاستخباراتي الإسرائيلي ضد تركيا عن صورة معقدة لمواجهة خفية متعددة الأبعاد:
تتضمن تجنيد عملاء داخل الأراضي التركية، وجمع معلومات استخباراتية عن التحركات التركية في
المنطقة، واستخدام الضربات العسكرية الاستباقية كأداة للردع. وفي المقابل، تطور تركيا قدراتها
الاستخباراتية المضادة، وتعلن بانتظام عن كشف شبكات تجسس، مما يشير إلى سباق استخباراتي محتدم
بين البلدين.
تبقى الساحة السورية البؤرة الأكثر سخونة في هذا الصراع الخفي، حيث تتصادم المصالح الإسرائيلية
والتركية في مشهد إقليمي متغير. ومع استمرار التطورات السياسية في المنطقة، يظل النشاط
الاستخباراتي الإسرائيلي ضد تركيا ملفاً مفتوحاً على احتمالات متعددة، تتوقف مساراتها على موازين
القوى المتغيرة والحسابات السياسية لكلا الطرفين.



إرسال التعليق