التداخل الجيوسياسي بين تركيا والصين
التداخل الجيوسياسي بين تركيا والصين
محمد عبد الكريم يوسف
ملخص
تشهد العلاقات بين تركيا والصين تحولاً معقداً يتجاوز الإطار الثنائي التقليدي ليشمل تداخلاً جيوسياسياً
متعدد الأبعاد، يتوزع على ساحات متشابكة من آسيا الوسطى إلى البحر المتوسط. تهدف هذه الورقة إلى
تحليل طبيعة هذا التداخل الجيوسياسي من خلال مقاربة تكاملية تجمع بين الواقعية والليبرالية والبنائية،
كما تدعو إليها الدراسات الحديثة في العلاقات الدولية. ترى الورقة أن العلاقة بين أنقرة وبكين لا يمكن
اختزالها في إطار تنافسي محض أو تعاوني صرف، بل هي نمط مفارق من الانخراط المتزامن القريب
والبعيد، حيث يتعايش التقارب والتباعد استجابةً لظروف ومحفزات متغيرة عبر المجالات السياسية
والاقتصادية والأمنية.
أولاً: البعد الاقتصادي – الشراكة غير المتوازنة
1.1 المبادلات التجارية والفجوة الهيكلية
شهدت العلاقات الاقتصادية بين تركيا والصين نمواً مضطرداً، حيث تجاوز حجم التبادل التجاري 528
مليار دولار عام 2025، بزيادة نسبتها 9.41%. وقد أصبحت الصين أكبر شريك تجاري لتركيا،
متجاوزةً ألمانيا وروسيا. غير أن هذا النمو يخفي فجوة تجارية هائلة لصالح الصين، بلغت 462.6 مليار
دولار عام 2025، حيث بلغت الصادرات التركية إلى الصين نحو 3.28 مليار دولار فقط، مقابل
واردات تجاوزت 49.5 مليار دولار.
تُعزى هذه الفجوة إلى أسباب هيكلية وليست سياسية؛ إذ تعكس تداخلاً في الهياكل الإنتاجية المتشابهة
نسبياً، مع تركيز الصادرات التركية في قطاعات منخفضة ومتوسطة التقنية، وضعف التنسيق بين الدولة
والقطاع الخاص في تركيا. وتشير الدراسات إلى أن هذه الفجوة الهيكلية لا يمكن معالجتها جوهرياً عبر
مبادرات سياسية مثل “الحزام والطريق”.
1.2 الاستثمارات والبنية التحتية
تُعد استثمارات الصين في الموانئ التركية نموذجاً للتداخل الجيوسياسي عبر البنية التحتية. غير أن البيئة
التنظيمية التركية، والشركات المحلية التنافسية، وقوة الموقف التفاوضي لأنقرة، حدت من قدرة الصين
على تكرار نماذج الاستثمارات التي تقودها الدولة كما هو الحال في مناطق أخرى. ونتيجة لذلك، تطور
“الممر الأوسط” ليكون فضاءً تفاوضياً تتشكل معالمه وفق أولويات تركية وتنسيق إقليمي، لا شرياناً
تسيطر عليه الصين.
ثانياً: آسيا الوسطى – ساحة التداخل الأكثر خصوبة
2.1 التكامل لا التنافس
تقدم آسيا الوسطى أنموذجاً فريداً للتداخل الجيوسياسي بين تركيا والصين. فبدلاً من قراءة الحضور
التركي في المنطقة من خلال عدسة التنافس مع النفوذ الصيني، يرى بعض المحللين أن ما يجري
هو تداخل واستكمال وليس تنافساً بالمعنى التقليدي. فالصين هي الثقل الاقتصادي للمنطقة، حيث بلغت
تجارة بكين مع كازاخستان 438 مليار دولار عام 2024، واستحوذت الصين على 18.9% من تجارة
أوزبكستان الخارجية. أما تركيا فتقدم الثقل الثقافي والاجتماعي، إذ تظهر استطلاعات الرأي أن تركيا
الدولة الأكثر إيجابية في تقييم شعوب آسيا الوسطى.
هذا التكامل الوظيفي يخلق تقسيم عمل غير معلن: بدون البنية التحتية الصينية، لا يمكن للقرب الثقافي
التركي أن يتحول إلى تجارة؛ وبدون الثقة التي تبنيها تركيا مع شعوب المنطقة، يصعب تسويق البنية
التحتية الصينية.
2.2 الممر الأوسط كنقطة التقاء استراتيجية
يمثل “الممر الأوسط” – الممتد من الصين عبر آسيا الوسطى وبحر قزوين والقوقاز إلى تركيا وأوروبا
بطول 4250 كيلومتراً – التقاء المصالح الأكثر وضوحاً بين البلدين. هذا الممر، المعروف رسمياً باسم
طريق النقل الدولي العابر لبحر قزوين (TITR)، هو أكثر من مجرد ممر تجاري؛ إنه شريان
استراتيجي يعيد رسم خريطة التجارة الأوراسية.
شهد الممر الأوسط قفزة نوعية بعد الحرب في أوكرانيا، حيث ارتفعت أحجام البضائع المنقولة
عبره بنسبة تزيد على 70% خلال 2023-2024، مع تراجع جاذبية الممر الشمالي الذي يعبر روسيا.
وتتقاطع مصالح البلدين في تطوير هذا الممر: فالصين تسعى إلى طريق بديل لأوروبا في ظل عدم
الاستقرار الجيوسياسي، بينما تسعى تركيا إلى ترسيخ موقعها كبوابة للعبور الأوراسي.
ومع ذلك، تظل هناك قلق استراتيجي في بكين حيال الروابط الثقافية واللغوية والتاريخية العميقة بين
تركيا وجمهوريات آسيا الوسطى والقوقاز التركية، خشية أن يؤدي النفوذ التركي المتنامي إلى تحدي
التموضع الصيني طويل الأمد في منطقة تعتبرها بكين محورية لطموحاتها الأوراسية.
ثالثاً: الأمن والدفاع – التعاون المحدود والمشروط
3.1 التعاون العسكري والأمني
شهد التعاون العسكري بين البلدين تطوراً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حيث أصبح جزءاً لا يتجزأ من
العلاقات الثنائية، مع تبادلات متكررة بين القوات المسلحة في مختلف الخدمات والمجالات، وتقدم مطرد
في التعاون العملي، بما في ذلك التبادلات بين الكليات العسكرية وصناعة الدفاع. كما عُقد الاجتماع الثاني
لـ”آلية التعاون الأمني المشترك” في أنقرة عام 2025، حيث ناقش الطرفان سياسات مكافحة الإرهاب
والقضايا الأمنية الإقليمية والدولية.
3.2 صفقة الدفاع الجوي – نموذج الصفقة الآلية
تُعد قضية نظام الدفاع الجوي بعيد المدى التركي (T-LORAMIDS) نموذجاً معبراً عن حدود التعاون
الدفاعي بين البلدين. فقد أعلنت تركيا خططاً لإنتاج نظام دفاع جوي بعيد المدى بشكل مشترك مع مؤسسة
استيراد وتصدير الآلات الدقيقة الصينية. غير أن أنقرة أعادت تشكيل المنافسة حول التطوير المشترك
ونقل التكنولوجيا، وأبقَت عرض الصين لصواريخ HQ-9 مطروحاً لتعزيز قدرتها التفاوضية مع
واشنطن والموردين الأوروبيين، قبل أن تلغي الصفقة لصالح النظام الروسي S-400.
من الجانب الصيني، كانت المناقصة مهمة أساساً كعرض استعراضي لصواريخ HQ-9 وكمدخل رمزي
إلى سوق الناتو، وليس كأساس لإدماج تركيا في التخطيط الدفاعي طويل الأمد للصين. هذه الديناميكيات
تُظهر أنه حتى في مجال شديد الحساسية، تظل العلاقات الدفاعية التركية-الصينية أداتية وقابلة للعكس،
وتعمل في الأساس كورقة مساومة ضمن إطار تحالف مقيد، وليس كخطوات نحو أي موقف دفاعي
مشترك متماسك.
رابعاً: قضية الأويغور – التوتر الخفي
تُعد قضية الأويغور أحد محاور الاحتكاك الأكثر حساسية في العلاقات الثنائية. وقد تحولت العلاقات بين
البلدين بشأن هذه القضية من مواجهة مفتوحة نحو تقارب محروس حول مكافحة الإرهاب، دون حل
التوترات الكامنة حول القرابة والسيادة.
تشير الدراسات إلى أن هذه العلاقات تتأرجح بين التعاون الحذر والمواجهة الخطابية الحادة، مدفوعةً
بالسياسة الانتخابية الداخلية في تركيا أكثر من الأيديولوجيا الإسلامية. وتؤثر قضية الأويغور على
العلاقات الثنائية بشكل أساسي عندما يتم تفعيلها سياسياً وتضخيمها خطابياً في السياسة الداخلية، وليس
كمصدر دائم للتوتر. ورغم التدقيق الدولي المتزايد، فإن نسبة متزايدة من الأتراك تعتبر الصين دولة
صديقة وليست تهديداً، وتدعم تعزيز التعاون الثنائي.
خامساً: الأبعاد الإقليمية المتشابكة
5.1 التنافس في البحر الأحمر والقرن الأفريقي
يمتد التداخل الجيوسياسي بين تركيا والصين إلى مناطق أبعد، حيث يتصاعد التنافس بين القوى العالمية
والإقليمية – بما في ذلك دول الخليج والقوى الغربية والصين وتركيا – على الوجود العسكري والنفوذ
الاقتصادي والتحالفات السياسية في القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
5.2 “ميثاق مكة” والتحالفات الجديدة
يشير ظهور “ميثاق مكة” بين باكستان والسعودية وتركيا إلى تشكل قوس جيوسياسي جديد قد يكون له
تداعيات على المصالح الصينية. فبينما لا تزال العلاقات الدفاعية التركية مع الصين أقل تطوراً من
علاقات بكين مع باكستان، فإن هذا التحالف الثلاثي يخلق فتحات محتملة لسلاسل توريد متداخلة
ومشاريع مشتركة بين أعضاء الميثاق الثلاثة.
5.3 إعادة تشكيل النظام الأمني في الشرق الأوسط
يسهم التداخل التركي-الصيني في تعددية قطبية في النظام الأمني الشرق أوسطي، حيث لم تعد واشنطن
المركز غير المتنازع عليه لأمن الخليج. هذا التعدد يوفر مساحات للنفوذ الصيني والتركي على السواء،
لكنه يخلق أيضاً مجالات للتنافس حول المشاريع والتحالفات.
الاستنتاج
يتجاوز التداخل الجيوسياسي بين تركيا والصين التصورات الثنائية التقليدية ليشكل شبكة معقدة من
المصالح المتقاطعة والمتداخلة. يمكن استخلاص النتائج التالية:
أولاً: العلاقة بين البلدين ليست تنافسية بالكامل ولا تعاونية بالكامل، بل هي علاقة مفارقة يتعايش فيها
التقارب والتباعد، ويتحول فيها التوازن بينهما استجابةً لظروف متغيرة.
ثانياً: تُعد آسيا الوسطى المختبر الأكثر خصوبة لهذا التداخل، حيث تتكامل الأدوار الاقتصادية للصين
والثقافية-الاجتماعية لتركيا في إطار تقسيم عمل وظيفي، رغم وجود قلق استراتيجي في بكين من النفوذ
التركي المتنامي.
ثالثاً: يظل التعاون الدفاعي محدوداً وأداتياً، حيث تستخدم كل من أنقرة وبكين العلاقات الدفاعية كورقة
مساومة ضمن تحالفات أوسع، وليس كأساس لشراكة استراتيجية دائمة.
رابعاً: تتطلب قراءة هذا التداخل مقاربة تكاملية تجمع بين النظريات الواقعية والليبرالية والبنائية، لتجاوز
القصور الذي تنتجه تطبيقات النماذج المنعزلة في تفسير التفاعلات المعقدة. فالتداخل الجيوسياسي بين
تركيا والصين ليس مجرد تنافس على النفوذ أو تعاون في المشاريع، بل هو ديناميكية متطورة تعيد
تشكيل خريطة القوة في المنطقة الأوراسية، وتفرض على الباحثين وصناع القرار على حد سواء تجاوز
القراءات الثنائية إلى رؤية متعددة الأبعاد لهذا التداخل المتشابك.



إرسال التعليق