مرحبًا بكم في عصر المادة… عندما يصبح الإنسان قيمةً بما يملك لا بما يكون

رشيد مصباح (فوزي)

كان الإنسان، إلى وقت غير بعيد، يُقاس بما فيه لا بما في جيبه.

كانوا يسألون عن أخلاق الرجل قبل أن يسألوا عن ماله، وعن مروءته قبل جاهه، وعن علمه قبل علاقاته، وعن قدرته على الوقوف إلى جانب الناس قبل قدرته على خدمة مصالحهم.

أما اليوم فقد انقلبت المعادلة في كثير من مظاهر حياتنا.

أصبح السؤال : ماذا يملك؟ ومن بعرف؟ وماذا يستطيع أن يفعل؟

مرحبًا بكم في عصر المادة والمصالح المتبادلة.

عصر أصبحت فيه بعض العلاقات أشبه بعقود غير مكتوبة:
أنا أقترب منك لأنك تستطيع أن تفعل لي شيئًا، وأنت تقترب مني لأنني أستطيع أن أفعل لك شيئًا.

أما الإنسان نفسه، بأخلاقه وصدقه ومروءته، فقد أصبح في كثير من الأحيان مجرد تفصيل زائد.

إذا ابتسم لك أحدهم… فتأهّب!
قد تكون هذه العبارة قاسية، وقد تكون ظالمة إذا أخذناها على إطلاقها، لكن المرء أحيانًا يشعر بأن الابتسامة نفسها فقدت شيئًا من براءتها.

يبتسم لك شخص في الشارع، فتبدأ في التفكير:

ماذا يريد؟

هل يريد مالًـا؟

هل يريد خدمة أم واسطة؛ تتوسّط له لدى مسؤول؟

أم أنه، لسبب مجهول، قرر فجأة أن يحبك؟ ولا أظن ذلك.

لقد أصبحت المصلحة في بعض العلاقات الاجتماعية مثل ذلك الضيف الثقيل الذي يدخل دون استئذان، ويجلس في صدر المجلس، ثم يتصرّف وكأنه صاحب البيت.

وأصبح بعض الناس لا يقتربون منك لأنك شخص جيّد، وإنما لأنك شخص مفيد.

فإذا انتهت فائدتك، انتهت العلاقة.

وإذا فقدت قدرتك على تقديم الخدمة، فقد تفقد معها قيمتك في عيون معظم الناس.

من «ما أخلاقه؟» إلى «ماذا عنده؟»
كانت المجالس القديمة تسأل: فلان، كيف أخلاقه؟

هل هو رجل أمين؟

هل هو صاحب مروءة؟

هل يُعتمد عليه عند الشدّة؟

هل هو وفيّ؟

هل هو أمين؟

أما اليوم، فقد تسمع أسئلة من نوع آخر:

أين يعمل؟

كم راتبه؟

هل له نفوذ؟

من يعرف؟

هل يستطيع أن يقضي لك حاجتك؟

وهكذا أصبح الإنسان يُقاس بشبكة علاقاته أكثر مما يُقاس بقيمة شخصيته.

وهذه ليست مجرد ظاهرة اجتماعية عابرة.

إنها علامة على خلل أخلاقي عميق.

حتى المآتم لم تسلم
ولعل أكثر ما يؤلم في هذه الظاهرة أنها لم تعد محصورة في المناسبات التي يفترض أن تكون للفرح.

حتى المآتم لم تسلم.

أصبح حضورك في تشييع جنازة قد يُقاس بنوع السيارة التي جئت بها، ومن معك، ومن يعرفك، وكيف ستظهر أمام الآخرين.

وكأن الميّت، الذي جاء الجميع لتشييعه إلى مثواه الأخير، لم يعد هو المناسبة، وإنما أصبح بعض الحاضرين أنفسهم جزءًا من استعراض اجتماعي صامت.

وهنا يصبح السؤال موجعًا:

متى أصبح الإنسان يحتاج إلى سيارة حتى يُحترم في جنازة؟

الميت لا يحتاج إلى سيارتك.. ولا إلى منصبك.. ولا إلى جاهك.. ولا إلى مكانتك الاجتماعية.

إنه يحتاج إلى دعاء صادق.

وأهله يحتاجون إلى مواساة صادقة.

والناس يحتاجون إلى شيء بسيط جدًا اسمه الرحمة.

حتى المسجد!
لكن المفارقة الأكثر مرارة أن هذه الذهنية يمكن أن تتسلل حتى إلى الأماكن التي يفترض أنها الأكثر تحصينًا ضدها.

المسجد.

المكان الذي يفترض أن تسقط عند بابه الفوارق بين الغني والفقير، وبين صاحب النفوذ والعامل البسيط، وبين من يملك الكثير ومن لا يملك إلا ستره.

كلنا نقف في الصف نفسه.

كلنا نخلع أحذيتنا عند الباب.

كلنا نقف بين يدي الله بلا سيارة ولا منصب ولا رصيد بنكي.

ومع ذلك، أليس من المؤلم أن يشعر الفقراء أحيانًا أن للغني مكانة اجتماعية داخل المسجد وخارجه لا يحظى بها الفقير؟

والله لا ينظر إلى السيارة التي ركبناها إلى المسجد.

ولا إلى ثمن الثوب الذي ارتديناه.

ولا إلى عدد الأشخاص الذين يعرفوننا.

وإنما إلى ما في القلوب وما في الأعمال.

وفي الإدارة… يصبح «ملح اليد» لغةً مفهومة!
أما في بعض الإدارات، فالحكاية أكثر وضوحًا.

هناك حيث يفترض أن يكون القانون هو الوسيط بين المواطن والدولة، قد يشعر المواطن أحيانًا بأن القانون وحده لا يكفي.

تحتاج إلى معرفة فلان.. أو هاتف فلان.. أو توصية فلان.. .أو شيء آخر يسمّيه العامة بأسماء مختلفة:

«ملح اليد».. و«الحنانة».

وحين يصبح الوصول إلى الحق محتاجًا إلى واسطة، تتحوّل الإدارة من مؤسّسة لخدمة المواطن إلى شبكة علاقات ومصالح.

ويصبح السؤال: شكون تعرف؟

كي تقضي أمورك.

وهنا لا تكون المشكلة في المواطن وحده.

إنها مشكلة نظام اجتماعي كامل يسمح للمصلحة الشخصية بأن تتقدم على القاعدة العامة.

عندما تدخل المصلحة إلى البيت
والأشد قسوة أن هذه العقلية لا تتوقّف عند الشارع أو الإدارة أو المناسبات الاجتماعية.

إنها تدخل البيت أيضًا، حتى بعض العلاقات بين الآباء والأبناء لم تعد بمنأى عنها.

حين يكون الأب قادرًا على الإنفاق، وتلبية الطلبات، وتقديم المال، وشراء ما يريد الأبناء، يصبح محبوبًا ومطلوبًا.

لكن ماذا يحدث عندما يكبر الأب، ويضعف، ويصبح دخله محدودًا، ولا يعود قادرًا على تقديم شيء؟

هل يبقى هو الأب نفسه؟

أم يصبح فجأة عبئًا على الأسرة؟

هذه ليست حالة عامة بالتأكيد، والحمد لله أن في مجتمعنا أبناءً لا يزالون يعرفون معنى البر والوفاء.

لقد أصبحنا براغماتيين أكثر من البراغماتيين أنفسهم!
لقد تأثرنا، مثل غيرنا من المجتمعات، بالحضارة الحديثة وبمنطقها الاقتصادي والاجتماعي.

ولا مشكلة في الاستفادة من العلم والتكنولوجيا والتنظيم والعمل والإنتاج.

المشكلة تبدأ عندما نستورد منطق المنفعة ونترك كل ما يمكن أن يضبطه من قيم وقوانين ومؤسسات.

فنأخذ من الحداثة ما يخدم مصلحتنا الفردية، ونترك ما يفرض علينا احترام الآخر، واحترام القانون، واحترام المصلحة العامة.

فنصبح، في النهاية، براغماتيين أكثر من البراغماتيين أنفسهم!

وماذا بقي من المروءة؟
المشكلة ليست أن الناس يبحثون عن مصالحهم، فالإنسان بطبيعته يسعى إلى تحسين حياته.

المشكلة أن المصلحة أصبحت في بعض الأحيان هي المعيار الوحيد؛

لم يعد الصديق صديقًا لأنه يحبك. بل لأنه قد يحتاجك.

ولم يعد القريب قريبًا لأنه قريب. بل لأنه قد يكون نافعًا.

ولم يعد الشخص المحترم هو صاحب الخلق. بل صاحب القدرة.

وهنا نخسر شيئًا أخطر من المال:

نخسر المعنى الإنساني للعلاقات.

لأن المجتمع الذي لا يجمع أفراده إلّـا تبادل المنافع يتحوّل شيئًا فشيئًا إلى سوق كبيرة.

وفي السوق لا أحد يسأل عن قلبك.

السؤال الوحيد هو:

كم تساوي؟

وإلى أين نحن ذاهبون؟
هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يقلقنا.

إلى أين يقودنا مجتمع يصبح فيه المال معيارًا للقيمة، والجاه معيارًا للاحترام، والواسطة معيارًا للوصول، والمنفعة معيارًا للصداقة؟

ماذا سيحدث عندما يصبح الفقير أقل قيمة في عيون الناس لمجرّد أنه فقير؟

وماذا سيحدث عندما يتعلم الطفل منذ صغره أن احترام الآخرين لا يُكتسب بالأخلاق وإنما بالمال والنفوذ؟

وماذا سيحدث عندما يصبح الإنسان مضطرًّا إلى امتلاك شيء ما حتى يكون محبوبًا؟

عندها لن يكون الخطر في أننا أصبحنا ماديّين.

الخطر أننا سنفقد القدرة على رؤية الإنسان خارج ماديتّه.

وسنصل، ربما دون أن نشعر، إلى مجتمع يستطيع فيه المرء أن يشتري الاحترام، ويستأجر الولاء، ويستعمل الصداقة، ويستثمر القرابة، ويتاجر حتى بالمشاعر.

وعندها لن يبقى السؤال:

هل هذا الإنسان صالح؟

بل:

هل هو نافع؟

وهذه، في رأيي، بداية السقوط الحقيقي.

لأن المجتمع لا ينهار فقط عندما تفرغ خزائنه.

ينهار عندما تفرغ قلوب أفراده.

وعندما يصبح المال هو اللغة الوحيدة التي يفهمها الناس، يصبح الفقير غريبًا في وطنه، ويصبح صاحب الخلق عاجزًا عن منافسة صاحب النفوذ، ويصبح الشريف مضطرًاّ إلى الاعتذار عن شرفه لأنه لا يملك «ملح اليد» ولا «الحنانة».

فيا مرحبًا بكم إذن في عصر المادة والمصالح المتبادلة…

عصرٍ قد يصبح فيه السؤال عن أخلاق الإنسان أقل أهمية من السؤال عمّا يستطيع أن يفعله من أجلنا.

والأخطر من ذلك كله:

أن نعتاد الأمر حتى ننسى أن الإنسان كان، ذات يوم، يُحترم لأنه إنسان.

إرسال التعليق