عرائشُ النَّخِيلِ وَرِيشَةُ الفَجِيعَة

قصة قصيرة:
على ضفاف الفرات، حيث تلتقي زرقة الماء بأجنحة النخيل الباسقة في أرض المسيب، تقف النسمات
خاشعةً كأنها تعتذر عن أريج البساتين الذي يمر فوق مرقدٍ ثكلته السماء قبل الأرض. هناك، بين ظلال السعف
وخرير الناديين، لا يملك الغريب إلا أن يترجل عن صهوة دنيائه، ليطأ أرضاً عجنت بدموع الصبا ووحشية
البشر.
ولجتُ المقام الشريف، فإذا بهيبةٍ غريبة تخترق شغاف القلوب، وإحساسٍ عجيب لا تترجمه اللغات؛ لم يكن
المكان مجرد أحجارٍ وقباب، بل كان كلياً ينبض بطفولةٍ لا تموت. شعرتُ حينها، بيقينٍ أصفى من عين الماء،
بكفين صغيرتين تمتدان لتستقبلا الخطوات المتعبة، وبضحكةٍ ملائكية مبحوحة ترطب الجفاف الروحي، وكأن
الصبيين محمد وإبراهيم، بطيب أصلهما ونداوة أرواحهما، يستقبلان الزائر، يرحبان به، ويزيحان عن كاهله
غبار السفر. في تلك اللحظة بالذات، انحلّت عقدة الصبر، وانفجرت من عينَيّ ينابيع الدمع سخيةً حارقة؛ كيف
أمكن لهذا الثرى الناعم أن يحتضن زهرتين قُطِفَتا قبل الأوان؟ أي ذنبٍ اقتضى أن يُذبح هذا الجمال، سوى
أنهما غصنان من شجرة النبوة، وأبناء أخت الحسين، وولدَا مسلمٍ بن عقيل، ذلك السفير النبيل الذي تركته
الكوفة الخائنة وحيداً في ساعة العسرة والخذلان؟
وعلى أحد جدران الضريح الشريف، وقفتُ أمام لوحةٍ تُجسّد الحادثة الأليمة. أطلتُ التأمل في خطوطها
وألوانها، لكنني أدركتُ أن ريشة الرسام، مهما أوتيت من إبداع، قد وقفت عاجزةً قاصرة. لقد كان الفنان
رقيق الحس، رهيف الوجدان، فلم تستطع ألوانه الزيتية وقماشه الصامت أن يحكيا حجم البشاعة؛ إن الذي
رسم اللوحة إنسان، والإنسان الرقيق يعجز عن تخيل القعر السحيق الذي قد يتردى فيه مسخٌ بزيّ بشر. إن
الفجيعة أكبر من أن تتسع لها إطارات الفن، والمأساة أعمق من أن تعبر عنها درجة في جدول الألوان.
إن الضواري في الغاب، على ضراوتها، لا تفترس إلا لتدفع الجوع، ولا تجرح إلا بدافع الغريزة؛ أما
الوحش الحقيقي فهو ذلك الإنسان الذي تجرد من إنسانيته، فصار أشدّ كُفراً بالرحمة من كل سباع الأرض.
وما مشهد الصبيين محمد وإبراهيم، بأجسادهما الغضّة التي روّعها الخوف في البساتين قبل أن تُقطع
أعناقهما بدمٍ بارد، إلا حلقةٌ في سلسلةٍ ممتدة من الوحشية البشرية التي لا شبع لها.
كم تكرر هذا المشهد المأساوي في سفَر التاريخ المكتوب بالدم؟ كم صبيٍ كإبراهيم، وكم طفلٍ كمحمد،
ذُبحوا على مذبح الغدر والبطش في فلسطين المحاصرة، وفي أزقة العراق الكليمة، وفي جبال اليمن الصابرة،
وفي مشارق الأرض ومغاربها؟
أقف بين يدي هذا المقام، وأسأل هذا الفرات الذي شهد الجريمة ولا يزال يجري: إلى متى؟ إلى متى يستمر
هذا الكائن الذي كُرّم بالعقل في استمراء العبودية لغرائزه الشيطانية؟ متى يعود الإنسان إلى إنسانيته، ويغسل
يديه من دماء أبناء جنسه؟ ولماذا كل هذا البطش والتنكيل بمن لا يملكون حيلة ولا سلاحاً سوى براءة
الطفولة؟
خرجتُ من الضريح وندى البساتين يبلل وجهي، لكن الحرقة في صدري لم تطفئها مياه المسيب، بل زادها
يقيناً بأن دماء الصبيين ستظل حجةً قائمة على ضمير الإنسانية الميت، تدعوه في كل لحظة: أن استفق.. فقد
فاقت وحشيتُك كواسرَ الفضاء.
……………………………………………………………………………..
حيدر حسين سويري
كاتب وأديب وإعلامي

إرسال التعليق