الأمم المتحدة في عصر “قانون الغاب”: القيمة والرهانات

الأمم المتحدة في عصر “قانون الغاب”: القيمة والرهانات
محمد عبد الكريم يوسف

الملخّص
يمرّ العالم في منتصف عقد 2020 بتحوّلات جيوسياسية عميقة، تترافق مع تصاعد نزعة الانفرادية
وضعف المنظومات القانونية متعددة الأطراف. في هذا السياق، بات الحديث عن “قانون الغاب” أو
“شريعة الغاب” يتردّد في خطابات كبار المسؤولين الدوليين، وعلى رأسهم الأمين العام للأمم المتحدة
أنطونيو غوتيريش، الذي حذّر مراراً من أن سيادة القانون تُستبدل في أنحاء العالم بشريعة الغاب.
تتناول هذه الدراسة بالتحليل إشكالية قيمة الأمم المتحدة في عصر تسوده ثقافة الغاب، وذلك من خلال
مقاربة تجمع بين البعدين التاريخي والنظري. تستعرض الدراسة النشأة التاريخية للأمم المتحدة بوصفها
محاولةً إنسانيةً للخروج من فوضى “قانون الغاب” الذي أفضى إلى حربين عالميتين، ثم تفحص الأزمات
المتعددة التي تواجهها المنظمة اليوم: من شلل مجلس الأمن بسبب تعطيل حق النقض (الفيتو)، إلى الأزمة
المالية الخانقة، مروراً بتراجع الثقة في المؤسسات الدولية. وتخلص الدراسة إلى أن الأمم المتحدة، رغم
كلّ عيوبها، تظلّ الحاجز الأخير الذي يمنع المجتمع الدولي من الانهيار الكامل إلى فوضى “البقاء
للأقوى”، وأن إصلاحها ليس خياراً بل ضرورة حتمية لمواجهة التحديات الوجودية المشتركة التي تعجز
دولةٌ منفردةٌ عن مجابهتها.
الكلمات المفتاحية : الأمم المتحدة، قانون الغاب، التعدّدية، الحوكمة العالمية، النظام الدولي.

أولاً: مقدّمة
في كانون الثاني/يناير 2026، وقف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أمام مجلس الأمن
محذّراً من أن “سيادة القانون هي حجر الزاوية للسلام والأمن العالميين والقلب النابض لميثاق الأمم
المتحدة”، غير أنه أضاف في تحذيرٍ لم يخلُ من مرارة: “في أنحاء العالم، تستبدل سيادة القانون
بشريعة الغاب”. هذا التحذير لم يأتِ من فراغ، بل جاء في لحظة دولية تتقاطع فيها الحروب، وتتصاعد
فيها التوترات، وتتراجع الثقة في المنظومة القانونية متعددة الأطراف.
تُحيي الأمم المتحدة في عام 2026 ذكرى مرور 80 عاماً على تأسيسها. صيغ ميثاقها في أعقاب حربين
عالميتين أزهقتا أرواح نحو مئة مليون إنسان، وكان الهدف منه وضع حدٍّ لـ”قانون الغاب” الذي كان سائداً
في العلاقات الدولية. لكنّ هذا الميثاق، الذي صُمّم لمنع الحروب وتقليل معاناة البشرية، يواجه اليوم
انتهاكات صارخة، تشمل استخدام القوة غير القانوني، والهجمات على البنى التحتية المدنية، وانتهاكات
حقوق الإنسان، ورفض المساعدات الإنسانية.
في هذا السياق، يبرز سؤال محوري: ما فائدة الأمم المتحدة في عصر تسوده ثقافة الغاب؟ هل أصبحت
المنظمة الدولية مجرّد “نادٍ للكلام” (talk-shop) بلا تأثير يُذكر؟ أم أنها تظلّ، رغم كلّ عيوبها، الإطار
الجامع الوحيد القادر على منع انزلاق العالم كاملاً إلى فوضى “البقاء للأقوى”؟
تهدف هذه الدراسة إلى الإجابة عن هذا السؤال من خلال مقاربة تحليلية تركّب بين البعدين التاريخي
والنظري، مع الاستناد إلى تقارير أممية وتحليلات أكاديمية وإعلامية. وسنتناول في المبحث الثاني

الجذور التاريخية للأمم المتحدة بوصفها محاولةً للخروج من “قانون الغاب”، ثم ننتقل في المبحث الثالث
إلى تحليل الأزمات التي تواجهها المنظمة اليوم، لننتهي في المبحث الرابع إلى استخلاص القيمة الراهنة
للأمم المتحدة وآفاق إصلاحها.

ثانياً: الأمم المتحدة – محاولةٌ تاريخيةٌ للخروج من “قانون الغاب”

  1. من عصبة الأمم إلى الأمم المتحدة: قفزةٌ نوعية
    وُلدت الأمم المتحدة عام 1945 كاستجابة أخلاقية وسياسية لفشل عصبة الأمم، التي سبقتها، وكوعدٍ
    جماعي بعدم السماح بتكرار كوارث القرن العشرين. لقد أدرك مؤسّسو المنظمة أن نظام العلاقات الدولية
    القائم على توازن القوى وحده، والذي أفضى إلى حربين عالميتين، لا يمكن أن يستمرّ. وهكذا صيغ ميثاق
    الأمم المتحدة ليكون بديلاً عن منطق “القوة تصنع الحق”.
    إذا كانت عصبة الأمم قد عانت من عيوب بنيوية جعلتها عاجزة عن منع اندلاع الحرب العالمية الثانية،
    فإن الأمم المتحدة قدّمت نقلةً نوعية على عدة مستويات:
     الشمولية: لأول مرة في التاريخ، انضمّت الغالبية العظمى من دول العالم إلى منظمة دولية واحدة،
    ممّا جعلها الإطار الأكثر شمولاً في تاريخ العلاقات الدولية.
     التوازن بين المثالية والواقعية: صمّم ميثاق الأمم المتحدة مجلس الأمن ليكون هيئةً تتّخذ قرارات
    سريعة وفعّالة في مواجهة الأزمات، مع منح حق النقض (الفيتو) للدول الخمس الكبرى، اعترافاً
    بواقع القوى الدولية. في المقابل، أُسندت إلى الجمعية العامة مهمّة تمثيل جميع الدول الأعضاء، كلٌّ
    بصوتٍ واحد، ممّا أتاح للدول الصغرى والمتوسطة مساحةً مؤسسيةً للتعبير عن آرائها.
     تثبيت المبادئ الأساسية: كرّس الميثاق ثلاثة مبادئ جوهرية للعلاقات الدولية الحديثة: سيادة
    الدول، والحرية الاقتصادية، وحقوق الإنسان. هذه المبادئ، التي نعتبرها اليوم أمراً بديهياً، لم تكن
    موجودة بهذا الشكل الواضح قبل إنشاء الأمم المتحدة.
  2. إنجازات الأمم المتحدة خلال 80 عاماً
    على مدى ثمانية عقود، حقّقت الأمم المتحدة إنجازاتٍ لا يمكن تجاهلها، رغم كلّ الانتقادات الموجّهة إليها:
     حفظ السلام: أذن مجلس الأمن بتنفيذ أكثر من 70 عملية لحفظ السلام في مختلف أنحاء العالم، لا
    تزال 11 منها مستمرّة حتى اليوم، وقد وفّرت هذه العمليات الأمن والحماية لملايين المدنيين في
    مناطق النزاع.
     محاربة الفقر: انخفضت نسبة الفقر المدقع في العالم من 36% عام 1990 إلى 10% عام
    2015، في إطار جهود المنظمة وبرامجها الإنمائية.
     بناء المعايير الدولية: اضطلعت الأمم المتحدة بدور محوري في وضع القواعد المنظّمة للفضاءات
    الدولية، من المحيطات إلى الفضاء الخارجي، ومن مكافحة الإرهاب إلى التصدي لتغيّر المناخ.
    لقد مثّلت الأمم المتحدة، في أفضل أحوالها، تجسيداً لتطلّع البشرية إلى علاقات دولية تقوم على القانون
    والتعاون بدلاً من القوة والصراع.

ثالثاً: قانون الغاب يعود – الأزمات المتعددة للأمم المتحدة
رغم هذه الإنجازات، تعيش الأمم المتحدة اليوم أعمق أزمة منذ تأسيسها. يحذّر المراقبون من أن المنظمة
تواجه “أزمة شرعية” تترافق مع أزمة مالية خانقة. ويمكن حصر هذه الأزمات في أربعة محاور رئيسية:

  1. شلل مجلس الأمن وانهيار “الإجماع الكبير”
    صُمّم مجلس الأمن ليقوم على مبدأ “توافق القوى الكبرى”، لكنّ هذا التوافق أصبح اليوم عملةً نادرة. فقد
    أدّى تنامي الخلافات بين الأعضاء الدائمين إلى تعطيل قدرة المجلس على اتّخاذ قرارات فعّالة في معظم
    الأزمات الكبرى.
    في النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي، على سبيل المثال، قدّم مجلس الأمن 14 مشروع قرار بشأن العدوان
    على غزة، لم يُعتمد منها سوى 4، بينما سقطت 8 مشاريع بفيتو أميركي. وفي حزيران/يونيو 2025،
    استخدمت الولايات المتحدة الفيتو مجدّداً لإسقاط قرار يطالب بوقف فوري ودائم لإطلاق النار في غزة،
    رغم موافقة الدول الأعضاء الـ14 الأخرى في المجلس.
    هذا الشلل لا يقتصر على فلسطين، بل يمتدّ إلى أوكرانيا والسودان وسوريا وعدد من بؤر التوتر الأخرى.
    وصف غوتيريش هذا الواقع أمام قمة الآسيان بأن مجلس الأمن أصبح “مشلولاً” بسبب الانقسامات بين
    القوى الكبرى.
  2. الانفرادية والأحادية – ضربٌ متعمّدٌ لمنظومة التعدّدية
    تزامن شلل مجلس الأمن مع تصاعد غير مسبوق في نزعة الانفرادية (unilateralism)، التي تتجسّد
    في تجاهل القوانين والمواثيق الدولية، وفرض الإرادة بالقوة المطلقة.
    أبرز مظاهر هذه الظاهرة هو سياسة “الانسحابات” الأميركية المتتالية من المنظمات والاتفاقيات الدولية،
    وامتناع واشنطن عن دفع حصّتها من ميزانية الأمم المتحدة. فبحلول نهاية عام 2024، بلغت متأخّرات
    الدول الأعضاء 760 مليون دولار، وحدها متأخّرات الولايات المتحدة تجاوزت 3 مليارات دولار، بما
    في ذلك كامل حصّة عام 2025 من ميزانية عمليات حفظ السلام. وقد أدّى ذلك إلى أزمة مالية خانقة
    دفعت الأمم المتحدة إلى خفض النفقات وتجميد التوظيف وتعليق بعض الخدمات.
    في هذا السياق، يرى محلّلون أن ما نشهده اليوم هو “إعلان صريح وواضح عن وفاة القانون الدولي ودفن
    مواثيق الأمم المتحدة تحت أقدام المصالح الأميركية”. وكما عبّر غوتيريش صراحة، فإن الولايات
    المتحدة “تعتقد أن قوتها أهم من القانون الدولي”.
  3. أزمة التمثيلية والجمود الهيكلي
    يعاني هيكل الأمم المتحدة من جمودٍ هيكلي يعكس موازين القوى في عام 1945، وليس واقع اليوم.
    فمجلس الأمن، الذي يضمّ 5 أعضاء دائمين فقط، لا يعكس صعود قوى جديدة مثل الهند والبرازيل
    وألمانيا واليابان، ولا يمنح تمثيلاً مناسباً لأفريقيا وأميركا اللاتينية.

علاوةً على ذلك، تعاني المنظمة من تعقيدات بيروقراطية هائلة: إعداد الميزانية السنوية يحتاج إلى 11
مرحلةً من القرارات، وتراكمت على المنظمة عبر العقود أكثر من 40 ألف ولاية (mandate) مختلفة،
ممّا أدّى إلى ازدواجية في المهام وتبديد للموارد.

  1. أزمة التحديات المستجدة
    تواجه الأمم المتحدة أيضاً عجزاً واضحاً في التعامل مع التحديات المستجدة التي تطبع القرن الحادي
    والعشرين:
     تغيّر المناخ: أهداف اتفاق باريس بشأن الحدّ من ارتفاع الحرارة إلى 1.5 درجة مئوية باتت قريبة
    من الفشل.
     الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني: لم تضع المنظمة بعد إطاراً عالمياً ملزماً لحوكمة هذه
    التقنيات، رغم مخاطرها الوجودية.
     أهداف التنمية المستدامة: تراجعت وتيرة التقدّم نحو أهداف عام 2030، وعاد الفقر إلى الارتفاع
    في كثير من مناطق العالم بعد جائحة كورونا.

رابعاً: قيمة الأمم المتحدة في عصر قانون الغاب – حاجزٌ أخيرٌ لا بديل عنه
بعد هذا العرض للأزمات، قد يبدو السؤال “ما فائدة الأمم المتحدة؟” مشروعاً تماماً. بل إن بعض المحلّلين
يذهبون إلى القول إن “زمن المؤسسات الدولية ومجلس الأمن قد ولّى إلى غير رجعة”. غير أن هذه
النظرة، وإن كانت مفهومة في خضم الإحباط، تغفل عن حقيقة جوهرية: من دون الأمم المتحدة، سيكون
الوضع أسوأ بكثير.

  1. الحاجز الأخير أمام الانهيار الكامل
    إذا كانت الأمم المتحدة عاجزة في كثير من الأحيان عن وقف الحروب، فإنها تظلّ الإطار الوحيد الذي
    يمنع المجتمع الدولي من الانهيار الكامل إلى فوضى “البقاء للأقوى”. ففي عالمٍ بلا أمم متحدة، لن يكون
    هناك أيّ مرجعية مشتركة للسلوك الدولي، ولن يكون هناك أيّ منبر للحوار بين الأطراف المتنازعة، ولن
    يكون هناك أيّ إطار لتنسيق العمل الإنساني.
    حذّرت الصين، في أكثر من مناسبة، من أن “من دون الأمم المتحدة ستحل شريعة الغاب”. وهذا ليس
    تهويلاً، بل وصف دقيق لما سيؤول إليه العالم إذا انهارت المنظمة: عودة إلى زمن “القوة تصنع الحق”،
    حيث لا حماية للضعيف إلا بقدر ما يوفّرها حليفٌ قويّ.
  2. منبر الحوار الوحيد في عالم متعدّد الأقطاب
    قد يبدو التناقض واضحاً: ففي الوقت الذي تتراجع فيه التعدّدية، يتّجه العالم نحو تعدّدية
    قطبية (multipolarity) توزّع القوى بين مراكز متعدّدة في واشنطن وبكين وبروكسل والجنوب
    العالمي. وهذا التعدّد، رغم ما يسبّبه من صعوبات في التنسيق، يجعل الحاجة إلى منبرٍ جامعٍ أكثر إلحاحاً
    من أيّ وقت مضى.

ففي غياب الأمم المتحدة، كيف يمكن للدول أن تتفاوض حول تغيّر المناخ؟ كيف يمكن تنسيق الجهود
لمكافحة الجوائح؟ كيف يمكن وضع قواعد للذكاء الاصطناعي قبل أن تفلت من الجميع؟ الأمم المتحدة،
رغم عيوبها، هي المنبر الجامع الوحيد الذي يضمّ جميع دول العالم، كبيرها وصغيرها، ويغطّي جميع
القضايا، من الأمن إلى التنمية إلى حقوق الإنسان.

  1. مواجهة التحديات الوجودية – لا بديل عن العمل الجماعي
    ثمّة تحديات لا يمكن لأي دولة، مهما بلغت قوّتها، أن تواجهها بمفردها:
     تغيّر المناخ: لا جيش في العالم يمكنه أن يوقف ارتفاع درجة حرارة الأرض.
     الأوبئة: لا يمكن لأي دولة أن تحمي نفسها من جائحة جديدة بمعزل عن الآخرين.
     انتشار الأسلحة النووية: التهديد الوجودي الأكبر للبشرية لا يمكن احتواؤه إلا من خلال تعاون
    دولي.
    في مواجهة هذه التحديات، قال غوتيريش بوضوح: “في عالم تعبر فيه التهديدات الحدود، فإن العزلة
    هي وهم. لا يمكن لأي دولة وحدها أن تمنع جائحة، ولا يمكن لأي جيش أن يوقف ارتفاع الحرارة”.
  2. ركيزة تطور المعايير الدولية على المدى الطويل
    قد لا تكون الأمم المتحدة فعّالة دائماً في لحظة الأزمة، ولكن قيمتها الحقيقية تظهر على المدى الطويل،
    من خلال كونها وعاءً لتطوّر المعايير الدولية (norm entrepreneurship). فالمبادئ التي كرّسها
    ميثاق الأمم المتحدة – سيادة الدول، وحقوق الإنسان، وحظر استخدام القوة – أصبحت، رغم كلّ
    الانتهاكات، مرجعيةً أخلاقيةً وقانونية لا يمكن تجاهلها.
    حتى في خضمّ عودة “قانون الغاب”، فإن الدول التي تنتهك القانون الدولي تسارع إلى تبرير أفعالها، وهذا
    دليل على أن المعايير ما زالت حاضرة كمرجعية، حتى وإن كانت الانتهاكات تتزايد. من دون الأمم
    المتحدة، لن يكون هناك حتى معيارٌ للانتهاك.

خامساً: إصلاح الأمم المتحدة – طريقٌ وعرٌ لكنّه ضروري
إذا كانت الأمم المتحدة ضروريةً في عصر قانون الغاب، فإن استمرارها على حالها غير ممكن. لذا،
أطلقت المنظمة في آذار/مارس 2026 مبادرة “الأمم المتحدة 80” (UN80)، التي تهدف إلى تعزيز
وتبسيط منظومة الأمم المتحدة. وتستند هذه المبادرة إلى ركيزتين أساسيتين:

  1. تعزيز التمثيلية والفعالية
    شدّد غوتيريش على أن الإصلاح ضروري، وأنه يجب العمل دون تأخير “لتعزيز تمثيل هذا المجلس
    وفعاليته”. ويشمل ذلك:
     إصلاح مجلس الأمن: تصحيح التمثيل التاريخي الناقص لأفريقيا وأميركا اللاتينية وآسيا.
     تبسيط الإجراءات: تقليل التعقيدات البيروقراطية التي تُبطئ عمل المنظمة.

 تحديث الولايات (mandates): إلغاء الولايات المتقادمة وتركيز الموارد على الأولويات
الحالية.

  1. تعزيز التمويل والاستقرار المالي
    لا يمكن للأمم المتحدة أن تؤدّي دورها إذا كانت تعاني من أزمة مالية مزمنة. وهذا يتطلّب:
     التزام جميع الدول الأعضاء بدفع حصصها كاملة وفي موعدها.
     إصلاح نظام التمويل ليكون أكثر استقراراً وقابلية للتنبؤ.
     ترشيد الإنفاق من خلال دمج المنصات الإدارية ونقل بعض الوظائف إلى مراكز أقلّ كلفة.
  2. دور الجنوب العالمي – فرصةٌ للتجديد
    يمثّل صعود قوى الجنوب العالمي، وعلى رأسها الصين والهند والبرازيل، فرصةً لإعادة توازن
    المنظمة وجعلها أكثر تمثيلاً للواقع الدولي. وقد طرحَت هذه الدول مبادراتٍ عدة، مثل مبادرة التنمية
    العالمية ومبادرة الأمن العالمية ومبادرة الحضارة العالمية، التي تهدف إلى تقديم رؤى بديلة للحوكمة
    العالمية، تقوم على احترام السيادة والتنوّع الحضاري والتعدّدية الفعّالة.
    غير أن هذه المبادرات، بحسب تأكيدات مسؤوليها، لا تهدف إلى استبدال الأمم المتحدة، بل إلى تعزيز
    دورها وإعادة إحيائه بروحٍ جديدةٍ تتلاءم مع تحديات القرن الحادي والعشرين.

سادساً: خلاصة وخاتمة
في الذكرى الثمانين لتأسيس الأمم المتحدة، لا يحتفل العالم بإنجازات المنظمة بقدر ما يتساءل عن
مستقبلها في عصر تعود فيه “شريعة الغاب” لتزيح سيادة القانون. هذا التساؤل، في حدّ ذاته، يعكس عمق
الأزمة التي تمرّ بها المنظومة متعددة الأطراف.
لقد حاولت هذه الدراسة أن تقدّم إجابة متوازنة عن سؤال “ما فائدة الأمم المتحدة في عصر تسوده ثقافة
الغاب؟”. وتوصّلت إلى أن قيمة الأمم المتحدة لا تكمن في قدرتها على حلّ جميع النزاعات – فهي
عاجزة عن ذلك – بل في كونها الحاجز الأخير الذي يمنع المجتمع الدولي من الانهيار الكامل إلى فوضى
“البقاء للأقوى”.
نعم، الأمم المتحدة تعاني من شلل في قراراتها، وأزمة في تمويلها، وجمود في هياكلها. ولكن في عالمٍ
تعبر فيه التهديدات الحدود، وتتصاعد فيه التوترات، وتتراجع فيه الثقة في المؤسسات، تظلّ الأمم
المتحدة الإطار الجامع الوحيد الذي يضمّ جميع الدول، ويغطّي جميع القضايا، ويوفّر المرجعية القانونية
والأخلاقية الوحيدة المقبولة عالمياً.
أزمات الأمم المتحدة ليست نهايةَ طريقها، بل هي دعوةٌ صريحةٌ لإصلاحها وتطويرها. وكما قال
غوتيريش، فإن التعدّدية هي الطريق الوحيد لتحقيق العدالة في الحوكمة العالمية. فإمّا أن نعمل معاً على
إصلاح الأمم المتحدة، أو نواجه معاً عواقب انهيارها – وعواقب ذلك ستكون وخيمة على الجميع، كباراً
وصغاراً.

في النهاية، تبقى كلمات الميثاق التأسيسي للأمم المتحدة نبراساً: “نحن شعوب الأمم المتحدة، وقد آلينا
على أنفسنا أن ننقذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب”. في عصر يعود فيه “قانون الغاب” إلى الواجهة،
يصبح هذا الوعد أكثر إلحاحاً من أيّ وقت مضى.

قائمة المراجع
[1] “الحفاظ على سلطة الأمم المتحدة وتعزيز السلام والتنمية في العالم”، موقع China in Arabic،
24 فبراير 2026.
[2] “الأمم المتحدة: سيادة القانون تستبدل بشريعة الغاب، والانتهاكات ترسخ سوابق خطيرة”، أخبار الأمم
المتحدة، 26 يناير 2026.
[3] “غوتيريش: في أنحاء العالم تستبدل سيادة القانون بشريعة الغاب ونشهد انتهاكات صارخة للقانون”،
اليوم 24، 27 يناير 2026.
[4] “غوتيريش يتحدث عن مسؤولية مجلس الأمن الدولي الفريدة وضرورة إصلاحه”، Aki Arabic،
26 يناير 2026.
[5] “الأمين العام للأمم المتحدة من مجلس الأمن: سيادة القانون تستبدل بشريعة الغاب”، القبة نيوز، 26
يناير 2026.
[6] “شريعة الغاب والدبلوماسية الخشنة – عمار عبد الواحد”، الزمان، 13 فبراير 2026.
[7] “غوتيريش يحذر أمام مجلس الأمن: سيادة القانون تُستبدل بشريعة الغاب”، اليوم، 27 يناير 2026.
[8] “US believes its power matters more than international law, UN chief
António Guterres tells BBC”, BBC, 19 January 2026.
[9] “With multilateralism in decline, what’s next for the world?”, DW, 31
August 2026.
[10] “هل انتهى عصر منظمة الأمم المتحدة فعلياً؟”، العربي الجديد، 3 أبريل 2026.
[11] “UN’s moment of reckoning”, The Express Tribune, 19 July 2026.
[12] “الصين: وزير الخارجية: ‘قانون الغاب’ يعود للظهور لأن ميثاق الأمم المتحدة لم يُراعَ ويُصان”،
الميادين، 17 يونيو 2026.
[13] “قرار أممي يؤيد مبادرة ‘الأمم المتحدة 80’ ويؤكد ضرورة أن تكون شاملة وشفافة”، أخبار الأمم
المتحدة.
[14] “رؤية الخليج: الأمن والاستقرار غير مرتبطين بالأمم المتحدة بل بالشراكات وتنويع القوة والقوة
الناعمة”، مركز الخليج للأبحاث.
[15] “الغابة الدولية بعد 80 عاما أمم متحدة!”، دار المعارف.

إرسال التعليق