مآل المقاومة الفلسطينية المسلحة من أوسلو إلى مبادرة ترامب
إبراهيم أبراش
يجب أن نسجل ونعترف بداية أن بداية المقاومة الفلسطينية للمشروع
الصهيوني بدأت مباشرة بعد وعد بلفور والاحتلال البريطاني لفلسطين وهناك
محطات عديدة لهذه المقاومة منذ هبة البراق 1929 إلى ثورة القسام 1935 إلى
ثورة 36 الخ وأن العمل الفدائي والكفاح المسلح بعد نكبة 48 وخصوصاً مع
انطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة 1965 هو الذي فرض القضية الفلسطينية
عالمياً كقضية تحرر وطني وليس مجرد قضية إنسانية ،والكفاح المسلح
الفلسطيني هو الذي استنهض الهوية الوطنية ورد الاعتبار للفلسطينيين في كل
أماكن تواجدهم. ولكن جرت أحداث كبرى في المنطقة والعالم وضعت استراتيجية
التحرير بالكفاح المسلح أمام تحديات لم تكن في حسبان مفجري الثورة
الأوائل .
قبيل توقيع اتفاقية أوسلو كانت منظمة التحرير الفلسطينية وحركة فتح
تحديداً أمام مفترق طرق: إما الاستمرار بنهج الكفاح المسلح والتمسك
بأهدافها الإستراتيجية بتحرير كل فلسطين —وكانت كل المؤشرات تقول إنه
طريق مسدود في ظل الظروف الإقليمية والدولية القائمة آنذاك— أو الدخول في
عملية تسوية سياسية غير مضمونة النتائج ولكنها تضمن بقاء المنظمة في
المشهد السياسي كعنوان للشعب وحماية القضية الوطنية من محاولات شطبها أو
عودتها للوصاية العربية، مع مراهنة على أن تسوية أوسلو قد تؤدي إلى دولة،
فاختارت المنظمة الطريق الثاني.
كان من نتائج توقيع اتفاقية أوسلو وقيام السلطة الفلسطينية عام 1994،
تجميع أغلب قوات منظمة التحرير الفلسطينية العسكرية داخل مناطق السلطة،
وتحول المقاتلون الفدائيون إلى موظفين أو عناصر في الأجهزة الأمنية
للسلطة الفلسطينية أو تم إحالتهم للتقاعد؛ ولكن إسرائيل تنكرت للاتفاقية
وتفردت بالضفة استيطانًا وتهويدًا، دون أن نسمع في الفترة الأخيرة عن أي
شكل من أشكال المقاومة في الضفة لا المسلحة ولا السلمية.ومع ذلك لم تعلن
القيادة الفلسطينية عن تجريم العمل الفدائي ولم تحظر نشاط الفصائل
المسلحة أو تطالب بنزع سلاحها بل استمرت بالتواصل معها ومدت لها يد
المصالحة ودعتها للمشاركة في الانتخابات العامة وتحملت نتائج كل عملياتها
العسكرية ،وحتى حركة فتح كان لها فصيل مسلح – كتائب شهداء الأقصى-.
وفي مرحلة لاحقة، ومع سيطرة حماس على القطاع، ثم حصر الوجود العسكري
للمقاومة في القطاع وتراجعه في الضفة الغربية، وبعد طوفان حماس وحرب
الإبادة، ثم مخطط ترامب للسلام، تم حصر سلاح المقاومة في حوالي 30% من
مساحة القطاع، ثم استدراج حماس والفصائل والوسطاء للموافقة على نزع
السلاح منهم ، في محاولة إسرائيلية لتصفية ظاهرة حركة التحرر الفلسطيني
بكل عناوينها.
وفي هذه الحالة، وُضِعت حركة حماس أمام مفترق صعب: إما الحفاظ على سلطتها
فيما تبقى في القطاع وعلى سلاحها الذي لم يعد سلاح مقاومة وعلى شعاراتها
وهذا يعني استمرار حرب الإبادة والتجويع ومعاناة الناس ومخطط التهجير، أو
تقبل بالتخلي عن المقاومة المسلحة وتسليم سلاحها لجهات أخرى كما تنص
مبادرة ميلادينوف المكونة من 15 نقطة وافقت عليها حركة حماس، فاختارت
حماس وفصائل المقاومة الخيار الثاني والذي ما زال تطبيقه متعثراً بسبب
الاشتراطات الإسرائيلية في موضوع السلاح ومحاولات لتعويم حركة حماس
وبقائها في المشهد حتى تستمر حالة الانقسام التي تفشل حل الدولتين. ما
التزمت به حماس بالنسبة لقطاع غزة سينسحب حتى على الضفة وأي ساحة مواجهة
أخرى ،وبالتالي تكون خطة ميلادينوف ومبادرة ترامب المدعومين بقرار من
مجلس الأمن أكثر خطورة على نهج المقاومة المسلحة من اتفاقية أوسلو.
يحدث كل ذلك دون أن نسمع عن أي وقفة مراجعة وتقييم ؛ لا من منظمة التحرير
حول التسوية السياسية في إطار اتفاقية أوسلو أو بالنسبة لغياب المقاومة
السلمية التي طالما تحدث عنها الرئيس أبو مازن، ولا من حماس وفصائل
المقاومة بالنسبة لطريقة ممارستهم للمقاومة المسلحة وتحالفاتهم الخارجية،
وكأن ما جرى قضاء وقدر من السماء لا راد له، أو الاكتفاء بالحديث عن
الانتصارات الوهمية والعبور العظيم في السابع من أكتوبر وعن إرهاب
إسرائيل وجبروتها واختلال موازين القوى معها، أو تحميل المسؤولية للمنتظم
الدولي والعالم العربي المتخاذلَيْن، في تجاهل أن إسرائيل عدو مجرم ولا
يُنتظر منها إلا أن تتصرف كعدو ،وأن المنتظم الدولي والعرب مجرد أدوات قد
تساعد الفلسطينيين إن ساعدوا أنفسهم، ولكنهم لن ينوبوا عنهم في تحرير
بلدهم، والمشكلة ليست في مبدأ مقاومة الاحتلال لأن الشعب الذي يتخلى عن
مبدأ وحق مقاومة الاحتلال يفقد حقه بوطنه . بل المشكلة تكمن في غياب
استراتيجية وطنية مقاومة محل توافق الكل الوطني تتكيف حسب متغيرات الزمان
والمكان ومتحررة من أي تبعية لجهات خارجية هذه الجهات التي لا تعمل إلا
لمصالحها وتوظف القضية الفلسطينية لخدمة هذه المصالح، وإعادة النظر في
المفهوم التقليدي للمقاومة التي تم اختزالها بالسلاح والمواجهة العسكرية
المباشرة مع العدو ومحاولات تقليد تجارب الشعوب الأخرى في تجاهل لخصوصية
القضية الفلسطينية .



إرسال التعليق